عبد الحليم حمود – كاتب من لبنان
كأن البشر يحتاجون في نهاية كل سنة إلى إجازة نفسية طويلة، استراحة من الوجوه المكفهرّة، من العيون الجاحظة، من ملل الدوام، من الحساب، ومن الوزن الزائد للأيام. فيأتي الشهر الأخير كاحتفال طارئ يفرض نفسه بلطف، ضوءًا وألوانًا وأجراسًا، وكأن الزمن نفسه قرر أن يحلّ ربطة عنقه ويبتسم.
يدخل العيد سخيًا كريمًا، يغلّفك بالأخضر والأحمر والذهبي، يمدّ لسانه ويصرخ في وجهك: “بؤّوووسي”. فالعيد كائن فضولي يطلّ من الشقوق اليومية، من خلف شباك صيدلية تبيع فيتامينات الأمل المعلّبة، من ركن مكتب تحويل الأموال حيث الأرقام تلهث على الشاشة، من بهو مصرف يلمّع واجهته باللمبات قبل أن يلمّع ضميره، من مدخل مصعد يتعطّل دائمًا ويعمل فجأة احترامًا للموسم، من زاوية دكان تراثي يعلّق الشجرة إلى جانب شوالات الحمص والفاصولياء، من عند ميكانيكي سيارات يعلّق كرة حمراء على مفتاح إنكليزي مشطوب، ومن باب مخفر شرطة يضع نجمة ذهبية فوق علّاقة الكلبشات.
ما أروع أن يتزين الشارع! قباب مضيئة، أشرطة من الضوء معلّقة فوق الرؤوس، لا تسأل من يعبر من تحتها، طيبًا كان أم غضوبًا، قلقًا أم لامباليًا، انعزاليًّا أم همشريًّا، مؤمنًا أم هاوي فلسفة مساء. العيد ديمقراطي بطبيعته، يهب نفسه للجميع بالتساوي. الناس تمشي تحت الزينة وكأنهم دخلوا فجأة في فيلم موسمي؛ خطواتهم أبطأ قليلًا، نظراتهم أعلى قليلًا، وكأن شيء ما يهمس لهم بأن السنة توشك على الرحيل، وأن لا بأس بقليل من التواطؤ مع الفرح.
السخرية تكمن هنا في هذا الاتفاق الجماعي غير المعلن: نحن نعرف أن المشكلات بقيت في أماكنها، الفواتير تنتظر، والقلق لم يحزم حقائبه، ومع ذلك نعلّق نجمة ذهبية على شجرة ونقنع أنفسنا بأن العالم صار أخف وزنًا. الإنسان الذي قضى أحد عشر شهرًا في شدّ الحزام يشتري أضواءً ملونة ويعلّقها بحماس طفل، كأنه يقول للزمن: خذ هذه الزينة واتركني ألعب قليلاً.
#ملف_الهدف_الثقافي #عبد_الحليم_حمود #أعياد #بهجة #لبنان #ثقافة #تأملات #نهاية_العام

Leave a Reply