مدينة تُبنى من الخشب لا من الإسمنت.. تجربة إنجليزية تعيد التفكير في العمارة والبيئة

صحيفة الهدف

المحرر الاقتصادي

في محاولة جريئة لإعادة تعريف علاقة العمران بالطبيعة، تشهد إنجلترا بلورة مشروع غير مسبوق يحمل اسم (مدينة الغابات)، وهو مخطط حضري يسعى إلى إنشاء مدينة كاملة تعتمد على الخشب بدل الإسمنت، بوصفه مادة البناء الأساسية، في استجابة مباشرة لتحديات السكن وتغير المناخ معًا.

عمران يتماهى مع الطبيعة
لا يتعامل المشروع مع الطبيعة بوصفها عنصرًا مكمّلًا أو هامشيًا، بل يجعلها الإطار الحاكم للتخطيط العمراني. فالمدينة المقترحة ستُقام داخل أكبر محمية طبيعية جديدة في البلاد، وتستهدف استيعاب نحو مليون نسمة في بيئة سكنية تتداخل فيها البيوت مع الغابات والمساحات الخضراء، بدل الفصل التقليدي بين العمران والحدائق، وفق ما أوردته صحيفة The Guardian.

ويعوّل القائمون على المشروع على استعادة النظم البيئية من خلال زراعة ما يقارب 12 ألف فدان من الغابات الجديدة وربطها بالغطاء النباتي القائم، في مسعى لتعزيز التنوع الحيوي وتحويل المدينة نفسها إلى عنصر فاعل في حماية الطبيعة.

اقتصاد سكني خارج منطق الربح
على المستوى الاجتماعي، يتبنّى المشروع نموذجًا إداريًا غير ربحي عبر (صندوق أراضي المجتمع المحلي)، الذي يهدف إلى تحييد المضاربة العقارية وضمان بقاء السكن في متناول الفئات المتوسطة ومحدودة الدخل. ويُنظر إلى هذا النموذج باعتباره محاولة لكسر الحلقة التقليدية التي تربط التطوير العمراني بتحقيق أرباح تجارية على حساب الاستقرار الاجتماعي.

مدينة للمشاة لا للسيارات
تعتمد (مدينة الغابات) فلسفة تصميم تضع الإنسان في المركز، من خلال أحياء مهيأة للمشي والحياة اليومية الهادئة، مع تقليص الاعتماد على السيارات الخاصة. وستتكفل شبكة ترام حديثة بدور العمود الفقري للنقل العام، بما يخفف الازدحام ويقلل الانبعاثات الكربونية المرتبطة بالحركة داخل المدينة.

تحديات بيئية وحلول بديلة
رغم الطموح الكبير، لا يخلو المشروع من إشكالات، أبرزها استخدام أراضٍ زراعية في منطقة تعاني أصلًا من شح المياه شرق إنجلترا. غير أن المخططين يقترحون حلولًا طويلة الأمد، تشمل إعادة تأهيل مجاري المياه الطبيعية وبناء خزانات جديدة تخدم المدينة والمناطق المجاورة.

وفي ما يخص الأراضي الزراعية، يرى المدافعون عن المشروع أن كثيرًا منها يُدار بأساليب صناعية أضعفت التنوع البيولوجي، وأن تحويلها إلى مساحات سكنية خضراء قد يكون أقل ضررًا بيئيًا، بل وربما أكثر فائدة على المدى البعيد.

أكثر من مدينة.. رؤية لمستقبل مختلف
لا تُقدَّم (مدينة الغابات) بوصفها مشروع إسكان فحسب، بل كنموذج فكري يعيد طرح سؤال أساسي: كيف يمكن للمدن أن تكون جزءًا من الحل البيئي لا جزءًا من المشكلة؟

إنها محاولة لرسم ملامح عمران جديد، يُصالح بين احتياجات الإنسان وحدود الكوكب، ويقترح مستقبلًا تُبنى فيه المدن بروح الطبيعة لا على أنقاضها.

#المدن_الخضراء #العمارة_المستدامة #مدينة_الغابات #إنجلترا #البيئة #التنمية_المستدامة #ملف_الهدف_الاقتصادي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.