ستّ النفر عوض عمر
مقدمة:
(من أدوات إلى منافسين)
لم تعد الروبوتات مجرد أدوات في أيدي البشر، بل تحوّلت إلى فاعلين مستقلين يشاركون في سوق العمل ويشكّلون الاقتصاد بطرق غير مسبوقة. تشير تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) إلى أن 14% من الوظائف في الدول المتقدمة معرّضة لخطر التشغيل الآلي الكامل، بينما قد تتغيّر طبيعة 32% منها بشكل جذري. هذا التحوّل لا يمثل مجرد تغيير تقني، بل يشكّل زلزالًا فلسفيًا ووجوديًا يعيد صياغة مفاهيم: العمل، والقيمة، والإنتاجية، وحتى الكرامة الإنسانية في السياق الاقتصادي.
التشغيل الآلي كمشروع فلسفي: الحلم الأفلاطوني ومأساة الاغتراب
لم يكن التشغيل الآلي وليد القرن الحادي والعشرين؛ فالحلم بتجاوز العمل الجسدي الشاق حاضر في أساطير الإغريق (تماثيل هيفيستوس الذهبية) وفلسفات عصر النهضة. لكن المفارقة التاريخية تكمن في أن هذا الحلم تحوّل إلى نوع من المأساة الوجودية. فبينما حرّر التشغيل الآلي البشر من الأعمال الخطرة والمتكررة، فإنه، بحسب تحليل عالم الاجتماع ريتشارد سينيت، أفقد العمل معناه لدى الكثيرين، فتحوّل من “ممارسة حرفية” إلى “مراقبة شاشات”.
في القرن التاسع عشر، جرى التحذير من اغتراب العامل عن منتجه. اليوم، نواجه اغترابًا من نوع جديد: اغتراب العامل عن عملية الإنتاج ذاتها. ففي مصانع (التشغيل الآلي المظلم) (Dark Factories)، التي تعمل بالكامل دون إنارة بشرية، لم يعد الإنسان جزءًا من حلقة الإنتاج، بل مجرد مصمّم ومشرف على آلات تُنتج لآلات أخرى.
تقدّم فلسفة مارتن هايدغر رؤية عميقة لهذا التحول؛ فالآلة، بالنسبة لهايدغر، ليست مجرد أداة محايدة، بل هي “طريقة للكشف” عن العالم. التشغيل الآلي اليوم لا يكشف عن العالم بوصفه مساحة للإبداع البشري، بل كمجرد (مورد) (Bestand) يمكن تحسين كفاءته وتقنينه. هذه النظرة الآلية للعالم تهدّد، بحسب هايدغر، جوهر الإنسانية ذاته.
تشريح الاقتصاد ما بعد البشري – اقتصاد الخمس عشرة ساعة عمل أسبوعيًا: وهم أم واقع؟
في عام 1930، توقّع الاقتصادي جون مينارد كينز أن يمكّننا التقدم التكنولوجي من العمل خمس عشرة ساعة أسبوعيًا فقط بحلول عام 2030. غير أن الواقع المعاصر يكشف عن مفارقة لافتة: فقد زادت الإنتاجية بشكل هائل (في الولايات المتحدة، ارتفعت بنسبة 70% منذ عام 1979، حسب مكتب إحصاءات العمل)، لكن ساعات العمل لم تنخفض، بل زادت في بعض القطاعات. والسبب، بحسب الاقتصادي دانييل سوسكايند، ليس تقنيًا بل بنيويًا؛ إذ يكافئ النظام الاقتصادي الحالي تراكم رأس المال، بما في ذلك رأس المال التقني، على حساب تقليص وقت العمل.
– الفجوة الكبيرة: عندما يصبح النمو بلا وظائف
تشير دراسة لمعهد ماكينزي العالمي إلى أن التشغيل الآلي قد يساهم في نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنسبة 1.4% سنويًا حتى عام 2030. غير أن هذا النمو قد يكون “نموًا بلا وظائف” (Jobless Growth) فالأرقام صادمة: بين عامي 2000 و2016، خسرت الولايات المتحدة 5.6 ملايين وظيفة تصنيعية، بينما زاد الإنتاج بنسبة 17%. هذه الظاهرة تخلق ما يسميه الاقتصاديون (فجوة المهارات الهيكلية)، حيث تتطلب الوظائف المتاحة مهارات لا يمتلكها العمال المُستبدَلون.
– إعادة تعريف القيمة: من العمل إلى الخوارزمية في الاقتصاد الكلاسيكي، كان العمل البشري مصدر القيمة. اليوم، نعيش تحولًا جوهريًا؛ إذ أصبحت الخوارزميات وبيانات التدريب (Training Data) مصادر جديدة للقيمة. فشركة مثل (تسلا) لا تُقيَّم فقط على أساس مصانعها، بل على أساس بيانات القيادة الذاتية التي تجمعها (أكثر من ثلاثة مليارات ميل من بيانات القيادة). يطرح هذا التحول سؤالًا وجوديًا عميقًا: إذا كانت القيمة تُخلَق دون عمل بشري مباشر، فما الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه توزيع الثروة؟
جغرافيا اللا مساواة في العصر الآلي – التقسيم العالمي الجديد: دول الخوارزميات ودول اليد العاملة
لم يعد التقسيم التقليدي بين دول (متقدمة) و(نامية) كافيًا لفهم الجغرافيا الاقتصادية الجديدة. إذ يشير التقرير السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن 97% من الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي تتركّز في أمريكا الشمالية وآسيا وأوروبا. هذه الهوّة التكنولوجية تخلق انقسامًا جديدًا بين دول تصنع الخوارزميات وتتحكم بها، ودول تبقى مصدرًا للبيانات الخام والعمالة الرخيصة، حتى وإن كانت هذه العمالة بشرية في قطاعات لم تُؤتمت بعد.
– اللا مساواة داخل الدول: صعود (الطبقة التقنية)
في كتابه (الطبقة التقنية)، يحلّل عالم الاجتماع نيل فلغستين كيف يشكّل التقنيون والمهندسون ومحللو البيانات طبقة جديدة ذات امتيازات غير مسبوقة. ففي وادي السيليكون، يبلغ متوسط الراتب السنوي لمهندس الذكاء الاصطناعي 142 ألف دولار حسب Glassdoor، بينما لا يتجاوز متوسط راتب عامل التوصيل في المنطقة نفسها 34 ألف دولار. هذه الفجوة لا تقتصر على الدخل فحسب، بل تمتد إلى النفوذ السياسي والاجتماعي.
البدائل الفلسفية، نحو إنسانيات جديدة – الدخل الأساسي الشامل: ليس حلًا اقتصاديًا فقط، بل فلسفيًا
يُطرح مفهوم الدخل الأساسي الشامل بوصفه ليس مجرد حل اقتصادي للتحدي التشغيلي، بل تغييرًا فلسفيًا جذرية في علاقة الإنسان بالعمل. وترى الفيلسوفة إليزابيث أندرسون في الدخل الأساسي تحريرًا من “الاستبداد في مكان العمل”، وإتاحةً لفرصة ممارسة أنشطة ذات معنى خارج نطاق السوق. وتشير التجارب في فنلندا وكندا، رغم محدوديتها، إلى تحسن في الصحة النفسية وتعزيز الإبداع الشخصي.
– اقتصاد الغرض: من النمو إلى الرفاهية
يقترح اقتصاديون من تيار ما بعد النمو، مثل كيت روورث، التحول من اقتصاد قائم على النمو اللا نهائي إلى (اقتصاد الغرض) (Purpose Economy) في هذا النموذج، تُقاس النجاعة الاقتصادية ليس بالناتج المحلي الإجمالي، بل بمؤشرات الرفاهية البشرية وجودة الحياة. ويتطلب هذا التحول إعادة تعريف جذرية لما نعدّه “تقدمًا”.
– السيادة التقنية: عندما يصبح الضبط الاجتماعي للآلة ضرورة وجودية
تحذّر الفيلسوفة التقنية شوشانا زوبوف من صعود (رأسمالية المراقبة)، حيث لا تعود الآلات أدوات إنتاج فحسب، بل تتحوّل إلى أدوات للضبط والتحكم الاجتماعي. ومقاومة هذا المسار تتطلب، بحسب زوبوف، بناء (سيادة تقنية) جماعية، يشارك فيها المجتمع بأسره في قرارات تصميم وتوظيف التقنيات التحويلية.
خاتمة: إعادة اكتشاف الإنسان في عالم الآلات نحن لا نعيش نهاية العمل البشري، بل نهاية نمط محدد من العمل. فالتحدي الحقيقي ليس تقنيًا بقدر ما هو وجودي وأخلاقي وسياسي. وكما قالت الفيلسوفة حنّة آرندت في كتابها (الوضع البشري) “العمل (Labor) يضمن بقاءنا، لكن الفعل (Action) هو ما يمنحنا هويتنا ويخلق العالم المشترك”.
إن اقتصاد ما بعد التشغيل الآلي يدعونا إلى تحوّل جذري: من مجتمع يركّز على (العمل) بوصفه ضرورة للبقاء، إلى مجتمع يُتاح فيه (الفعل) الإبداعي والسياسي والاجعي. ويتطلب هذا التحوّل أكثر من سياسات اقتصادية ذكية؛ إنه يحتاج إلى إعادة تخيّل جذرية لما يعنيه أن نكون بشرًا في عالم نتقاسمه مع كيانات ذكية غير بشرية.
فالمستقبل ليس محتومًا بتقنيات التشغيل الآلي، بل بقدرتنا الجماعية على توجيه هذه التقنيات لخدمة إنسانيتنا المشتركة، لا لإلغائها. والسؤال الحقيقي ليس: “ماذا سيفعل البشر عندما تعمل الآلات كل شيء؟”، بل: “أي نوع من البشر نريد أن نكون في عالم تشاركنا فيه الآلات كل شيء؟”.
#ملف_الهدف_الاقتصادي #التشغيل_الآلي #الذكاء_الاصطناعي #مستقبل_العمل #الاقتصاد_الرقمي

Leave a Reply