د. عصام علي حسين
كغيره من الأيام، جاء الأوّل من يناير 2026، وبلادُنا تئنّ تحت وطأة حربٍ عبثيّة دمّرت الوطن، وخرّبت الاقتصاد، وشرّدت العباد، وأزهقت الأرواح.
فما عاد الأوّل من يناير مناسبةً للاحتفال بالحريّة والانعتاق من المستعمِر، ولا مناسبةً لإحياء ذكرى النضال والتضحيات واستلهام قيم الوطنيّة، بل غدا وقفةً مع الذات، وتأمّلًا في مسيرة وطنٍ يعاني منذ سبعين عامًا من القتال والتناحر والصراع المتجذّر في عمق المجتمع، حيث أُقصيت السماحة والعفو والعيش في سلامٍ وأمنٍ من قاموسنا الوطني؛ لأنّنا نتمسّك بفكرةٍ أو رأيٍ غير قابل للتبديل أو التغيير أو التعديل، فننتهي قبل أن نبدأ.
سبعون عامًا، وللأسف، ندور في فلك التبعيّة للبنك وصندوق النقد الدوليين، ولم نجْنِ من ذلك سوى مزيدٍ من الفقر والجوع وتراجع الإنتاج، بل أصبحنا فئرانَ تجارب، وعلى أجسادنا تُجرَّب آليّات الحرب وأسلحة الدمار، وأصبحت أرضُنا الطاهرة سوقًا يتنافس عليه تُجّار السلاح ومافيا القتل.
ولا يضير المتصارعين أن يتكدّس الملايين من أبناء شعبنا في المدارس والساحات والمساجد، يفترشون الطُّرقات ويتّخذونها ملاذًا غير آمن، لا تحميهم حرارة الشمس ولا تقيهم برودة الشتاء؛ يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، يهرولون نحو التكايا ليظفر كلّ ربّ أسرة بـ(كمشات) من عدسٍ أو بليلة، لا تسدّ رمقًا ولا تكفي حاجة.
سبعون عامًا، وما زال القولُ هو الفعل، في التفافٍ حقيقيٍّ على معنى اللغة ومراميها، لكنّنا نجيد (الحشّ بالدقون) قولًا وإشارة، ونُطبّق المثل المعروف: القول دون الفعل؛ إذ إنّنا (قائلون كثيرًا غير فاعلين). ما زلنا نكتفي من الحقائق بإطارها فقط، ولا نغوص في أعماقها لنستجلي الصدق، وما زلنا نكنز الوعود تلو الوعود، ونُغمض أعيننا عليها، لنصحو على سرابٍ بقيعة.
ما زلنا نميل ونسير ونتحرّك بجسدٍ مليءٍ بالندوب والجراح، جراحٍ لا تزال تنزف بغزارة، ولا نجد من يضمدها، فتستمرّ في نزيفها بعد أن نزفت الجيوب كذلك.
نلبس ونستر عوراتنا، وعورةٌ كبيرة مكشوفة هي الفقر العتيد الذي أصاب سكّان وطني؛ فما عادت أسرةٌ تنام شبعى، ولا طفلٌ يحلم بكوب حليب. لقد ماتت الأحلام، وظلّ الفقر حيًّا بسيفٍ بتّارٍ يقطع كلّ يومٍ في المجتمع رقاب الأسر.
فهل بعد كلّ هذا، وغيره ممّا لم يسعفني الورق لذكره، سيوقظنا قرعُ الطبول؟
همسة:
تتوه قافلتي في الظلام، فأستعين بنور قلبي،
ويقين مشواري، وإيماني
ببلوغ شاطئيك.. يا وطني.
الهاشتاقات:
#السودان #الاستقلال #أزمة_السودان #الحرب_في_السودان #ملف_الهدف_الاقتصادي #الفقر #الاقتصاد_السوداني #الكرامة_الإنسانية #يناير #وطن_ينزف

Leave a Reply