يوسف الغوث
“لا أخاف إلا من الموت ومن رسّامي الكاريكاتير” – الرئيس الأمريكي الأسبق هنري ترومان.
يُعدّ فنّ الكاريكاتير واحدًا من أكثر الفنون قدرةً على التأثير في الوعي العام؛ فهو فنّ ساخر يُجسّد الشخصيات ويترجم الأحداث بأسلوب نقديّ ذكي، يجمع بين الإضحاك والعمق، ويستطيع أن يُلخّص الأفكار المعقّدة ويحوّلها إلى مشاهد بصرية بسيطة، مكثفة، وحادّة الدلالة.
والكاريكاتير، في جوهره، فنّ لنقد الحياة بذكاء واختزال؛ يقتصد في الكلمات، ويُقدّم خطابًا جادًا في قالب المبالغة الساخرة، ويتجاوز النص التقليدي ليُسهم في مساءلة الواقع والارتقاء بالمجتمع. لذلك لم يكن غريبًا أن يُثير هذا الفن حفيظة السياسيين، وأن يفضح ممارساتهم، ويُعرّي زيفهم أمام الرأي العام.
ظهر فن الكاريكاتير بصورته الحديثة في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر في أوروبا، ويعود أصل كلمة (Caricare) إلى اللغة الإيطالية، وتعني “المبالغة”. وسرعان ما انتشر هذا الفن في مختلف أنحاء العالم، ليغدو أداةً فعّالة في النقد الاجتماعي والاحتجاج والسخرية السياسية.
وقد لعب الكاريكاتير دورًا محوريًا في مسيرة الوعي الإنساني، ولا سيما في العالم العربي، حيث برز عدد من الفنانين المبدعين، كان في مقدمتهم الفنان الفلس.طيني الراحل ناجي العلي، الذي ارتبط اسمه بأيقونةٍ لا تزال حيّة في الذاكرة العربية: حنظلة.
في عام 1969، رسم ناجي العلي طفلًا في العاشرة من عمره، أطلق عليه اسم حنظلة. وسرعان ما تحوّل هذا الطفل إلى رمزٍ فلس.طيني وعربي، يجسّد الهوية والعزّة والكرامة، لا للفلس.طينيين وحدهم، بل للأمة العربية جمعاء. وقد ظلّت شخصية حنظلة حاضرة وفاعلة حتى بعد اغت.يال مبدعها ناجي العلي عام 1987.
يقول ناجي العلي إن حنظلة أُجبر على مغادرة فلس.طين وهو في العاشرة من عمره، ولن يعود إليها إلا وهو في العمر نفسه؛ في إشارة رمزية إلى توقّف الزمن الفلس.طيني عند لحظة النكبة، ورفضه النمو في واقعٍ غير عادل. وقد اختار ناجي العلي اسم حنظلة لما يحمله نبات الحنظل من دلالات عميقة؛ فهو نبات مُعمِّر شديد المرارة، ذو جذور ممتدة في الأرض، وينمو من جديد كلما قُطع، تمامًا كالقضية الفلس.طينية التي تتجدد رغم القمع والاقتلاع.
يظهر الطفل حنظلة مديرًا ظهره للعالم، واضعًا يديه خلف ظهره، في موقفٍ رافض للتطبيع والتسويات المزيّفة، ومعبّر عن ثائرٍ صاحب قضية لا يقبل المساومة. وتحمل هذه الهيئة رسالة سياسية وقومية واضحة، تُجسّد الرفض والمقاومة والصمود.
وقد خاطب حنظلة العالم قائلًا: “أيها العالم، اسمي حنظلة. أبي غير موجود، وأمي اسمها نكبة. لا أملك حذاءً، فأمشي حافي القدمين. ثيابي ممزقة بفعل الجلادين. تاريخ ميلادي: حزيران 1967. أنا لست فلس.طينيًا أو سودانيًا أو أردنيًا، فلا جنسية لي. أرفض فكرة التجنّس والرقم الوطني. أنا إنسان عربي”.
ويذكر ناجي العلي أن ملامح حنظلة تطوّرت بتطوّر الواقع السياسي العربي؛ فبعد تسوية عام 1973 ظهر مكتوف اليدين خلف ظهره، ثم عاد عام 1982 وهو يُقدّم وردةً لبيروت، وفي عام 1987 ظهر ممسكًا حجرًا بيده، في دلالةٍ صريحة على الانتفاضة والمقاومة.
ختامًا، يُعدّ فن الكاريكاتير أحد أبرز أدوات الوعي والثورة القومية، لما يمتلكه من قدرة عالية على تحفيز الوعي السياسي، وشحذ الإرادة الشعبية، وكشف زيف السلطة، والدعوة إلى مقاومة الاحتلال والاستبداد، بلغة ساخرة لا تقلّ حدّة عن الرصاص.
#ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #حنظلة #ناجي_العلي #فلس_طين #كاريكاتير #ثقافة_المقاومة

Leave a Reply