د. عبد الله الغذامي
التمثُّل هو استدعاءُ نصٍّ مخبوءٍ في الذاكرة لينوبَ عنّا في التعبير عن موقفٍ عارض. وهو، إذ ينوب عنّا، يمنعُ أذهاننا من إنتاج قولٍ يصف حالنا. ومن هنا يتحوّل شخصٌ ما إلى محامٍ يلقّننا الحجّة، وكأنّ الواحد منّا يؤدّي دورًا مسرحيًّا بوجود مُلقِّنٍ يزوّده بالكلام كي يتقن دوره. وهذه حالٌ مناقضةٌ لفكرة الإبداع؛ فكلّما تذكّرنا تعطّل حسّنا الإبداعي، لأن الإبداع مشروطٌ بالنسيان. وقد قالها رولان بارت: “أكتب لأنّي نسيت”. في حين يُزيح التذكّرُ الإبداعَ، وفي التمثُّل نقول القول من خلال قولٍ آخر، وغالبًا ما نُخرج النصَّ المقتبَس الأصلي من سياقه ليلائم سياقًا أجنبيًّا نفرضه عليه. وهنا نرتكب جنايتين في وقتٍ واحد: جنايةَ اختطاف نصٍّ لغيرنا من سكونه الأبدي، وجنايةَ قمع قدراتنا الإبداعية.
والاستشهادات الثقافية، في أصلها، نتفٌ علِقت في أذهاننا عبر قراءاتنا، وتمكّنت من الحصول على سكنٍ آمن، وتظلّ ساكنةً إلى أن يجري استدعاؤها كما يُستدعى جنديٌّ في الاحتياط. وأهمّ سمات الاستدعاء المبادرةُ السريعة والجاهزيةُ لتنفيذ أمر الحضور. فالاستشهادات، إذن، جنودٌ ثقافية في الاحتياط لحين وقت الطوارئ. وكلّ حرجٍ تعبيري نقع فيه نهبُّ تلقائيًّا لأيّ استشهادٍ يشفي، وحينها لن تحضر البديهة ولا مهارات التصرّف اللغوي، وسنكتفي بغيرنا الذين وفّروا لنا صيغةَ تعبيرٍ جاهزة، مثل الأطعمة الجاهزة التي تُغنيك عن الطبخ وصناعة وجبتك الصادرة عنك وعن ذوقك واختيارك. كما أنّ الاستدعاء مربوطٌ بوجود محفوظات تحوّلت من مادّةٍ مقروءة إلى مادّةٍ محفوظة. وهي تحدث ابتداءً لسببٍ ذوقيٍّ حرّك طربنا لقولٍ ما، وحسب قوّة تأثيره يتمكّن من احتلال مكانٍ في الذاكرة. وتلعب الذاكرة هنا دورًا جوهريًّا، ليس في حفظ القول فحسب، بل أيضًا في جعله في حال جاهزية متى ما حفّزه موقفٌ ما، فيتدفّق ليتقدّم على كلّ الخبرات. وهنا تجري إزاحة الإبداع؛ لأن الإبداع لا يتمّ بالاستجداء ولا بالاستدعاء، بما أنّه حيويةٌ ذاتية تتحرّك وفق شرطها.
ونحن، كبشر، لنا حالاتٌ متقلّبة لا تستقرّ على حال، ويأتي دور الاقتباس متقلّبًا كذلك، كتقلّبات أبي الطيّب بين قولٍ وقول، ومنها قوله:
خُلِقتُ ألوفًا لو رَحَلتُ إلى الصِّبا
لفارَقتُ شيبي موجَعَ القلبِ باكيًا
ولنقارن قوله هذا مع قوله:
فما حاولتُ في أرضٍ مقامًا
ولا أزمعتُ عن أرضٍ زوالا
على قلقٍ كأنّ الريحَ تحتي
أوجّهُها جنوبًا أو شمالا
وهو هنا بين الألفة والرسوخ، وبين القلق في منطقة اللامكان. ونحن مثله نقتبس منه هذا وذاك من دون أن نشعر بالتناقض؛ لأننا نستدعي كلّ قولٍ مع حالٍ تماثله، وينوب أبو الطيّب عنّا في توصيف الحال حسب مقتضاها. والإنسان ابنُ لغته، بمعنى أنّ الأذهان تستقبل المعاني، وفي الوقت ذاته تحتفظ بالأقوال. ومن ثمّ فلكلّ معنى ذهنيٍّ قولٌ ذهنيٍّ أيضًا. ولهذا لا يأتي الإبداع إلا من باب النسيان، حين تنفصل المعاني عن الأقوال في مخازن الذهن، ممّا يجعلنا نضطرّ إلى التعبير بقولٍ مستقلّ يصدر عن الذات التي تتطلّب تعبيرًا يصف الحال. والأحوال متغيّرة، ولذا تتغيّر الأقوال تبعًا لها. وهذا ما يُسمّى بالتناقض، ويُؤخذ على أنّه عيبٌ فكري، غير أنّه حقيقةٌ واقعية، بل حقيقةٌ حيوية وإبداعية، وعلامة استقلالٍ ذهني، ليس عن الآخرين فحسب، بل عن الذات نفسها، وعن خضوع الذهن لشروط الذاكرة.
#ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #نقد_ثقافي #الغذامي #فكر #إبداع #تمثُّل

Leave a Reply