بشير الصادق
أيّها الطيفُ، زُرني،
وأهدِني مع خيوط الصبح
مطلعًا وقافيةً لنظم قصيدة،
وافتح لصباح البشارات بابًا من عدم،
وأخبرني عن امرأةٍ وحيدةٍ نازحة
تُقاسي ويلات الحرب والنزوح،
سافرت إلى بلادٍ نَجْدِيّةٍ قاحلة.
عصفورةٌ استيقظت مذعورةً عند الصباح
في يوم المَهلكة،
يوم فرعونَ وهامانَ وجنودهما والعصابة،
حين تدافعوا في الواقعة،
في يومٍ قمطريرٍ حالكٍ..
كان يومَ محرقة.
على صوت الرصاص عند الفجر خرجت
من دارها مكلومة،
تمشي على الرصيف هائمة،
والسماء حُبلى بالبارود والشظايا الصاخبة،
ودماء الأبرياء على الأسفلت مُهرَقة.
ائتزرت ثوبها على عجلٍ ظالعة،
ركضت خائفةً من الكلاب النابحة،
حاملةً روحها على أجنحة الصياح صارخة،
وعلى ظهرها سياط الجلاد المسعور قارحة.
أفلتت من الموت قنصًا بالسلاح
إلى موتٍ قهرًا بالوحدة والجراح.
مُلتاعةً هرولت في وجه الريح،
لكنّها لم تنتهِ في الذارية
ولم تسقط في الهاوية.
زهرةٌ غطّى أوراقَها شذىً وندى،
نبتت وأينعت في رياضٍ زاهية،
عنها زوجها افترق،
لكنها نهضت واقفةً شامخة،
لم تطلب نفقةً ولم تستجدِ شفقة،
وخرج من بستانها ذليلًا صاغرًا،
عاد من حيث أتى زاحفًا حاسرًا،
يترنّح من الغضب كجملٍ أعرجٍ خائر،
متأبطًا خيباته وذكرياته وارتحل.
ثم مات في قلبها،
صار ركامًا واندثر،
انهار كجرفٍ هاوٍ، تشقّق وانطمر،
امتلأ شيخوخةً وفراغًا وألمًا،
وبات عليها ساخطًا وناغمًا،
أمسى رؤوبًا طريح الفراش،
وفي قاع المدينة غرق واحتجب،
لصغاره أهمل، ولم يُطفئ
النور والبريق والطهر من عيونها.
لم تخُر عزيمتها متوسّلةً أو مُشتكية،
ولم تسقط مكسورةَ الخاطر جاثية،
لم تُخفض الرأس على ركبتيها راكعة،
لم تتذلّل، وما عنه بعدُ سألت،
ضمّت عيالها، وما عليه بكت.
مسؤوليةٌ تنوء الجبال أن يحملنها،
لكنها لم تقطع وريدها
ولم تتضعضع.
مضت عبر باب الفجيعة واثقة،
وعلى تلّة المواجع
رقصت على الجمر حافية،
حملت حقائبها شرقًا وساحت نازحة،
معبّأةً بصقيع الخوف والحمّى القاسية.
سارت مع النازحين البائتين على الطوى،
الناجين من الموت والقِراح في النوى،
إلى كرم الغربة وطعنات السهاد،
بعيدًا، محزونةً، نأت عن حال البلاد،
نزحت إلى أرضٍ بعيدةٍ يباب،
وضمّدت جراحها وبثورها في البعاد.
والآن تتكئ على فراش الغربة الطالحة،
مجدولةً بالحنين والشجون الصادحة،
قابعةً في رياضٍ ماحلٍ..
بيداء، لا شاطئ فيها ولا ساحل.
شتاؤها جارحٌ، كاسرٌ، قارِس،
لا يعرف صبحُه زقزقة العصافير،
ولا نداءً لتغريد العنادل والنوارس.
أيها الطيفُ، حدّثني عن حالها
في غابة الوحشة المريرة والليالي الباهتة،
عن صباحاتها وأشجان الأمسيات،
عن صلابتها المغلّفة بالأناقة،
وقساوة الطقس هناك،
حرّ الصيف وزمهرير الشتاء.
حدّثني عن عيالها،
عن مصاريف المدارس والجامعة،
عن قومة الصباح الباكرة والدوام،
وأبواق السيارات والزحام،
وهي تمشي هادئةً، ثابتة،
تلوّح بإشارة التحدّي والعناد
في وجه الريح والشدائد الكالحة،
والنوازل على صدرها واقعة.
تغنّي، ورأسها منتصب، فخورةً قائلة:
ورغم ما قرأتم ورأيتم آنفًا،
لكني أعدو في وجه الحريق راسخة،
لم تُغرقني الأنواء
ولم تجرفني العاصفة.
ابنة الشمس أنا،
مترعة بالسنا،
صامدة هنا..
كالطود أبدًا.
لا يعوزني البيان ولا الفصاحة،
مشرقة بالبهاء والثبات والجسارة،
أورثني أبي استقامةً ونعيمًا وطهارة،
لا تهدّني البلايا
ولا يكسرني العناء.
أحمل في مهجتي مصابيح الضياء،
وأرتقب أعراس البساتين
بالسنابل والقناديل،
وطعم الحكايات العتيقة والتفاصيل،
ونغم زغاريد الشوارع
في أفراح بلادي،
وأمطار الفصول وأعياد الحقول،
وتبعثر الشغب البريء في الساحات،
وولائم الأعياد وابتسامات الثغور.
أطرّز قلبي الوليد
للحب العتيق
بأحجاري الكريمة وخيوط الحرير،
أبث فيه من عطوري والعَبير،
عودي مشدود للأغاني والنشيد،
باحاتي خضراء ناضجة البذور،
وللغد الجديد
تهفو ورودِي والزهور.

Leave a Reply