المنهج الجمالي المعرفي في النقد الأدبي الحديث

صحيفة الهدف

إحسان الله عثمان

في فضاء النقد الأدبي الحديث، لم يعد كافيًا تناول النصوص من زاوية واحدة، سواء أكانت شكلانية تكتفي بالبنية والأسلوب، أم أيديولوجية تسعى إلى تفكيك المحتوى وتفريغه في قوالب اجتماعية أو سياسية. من هنا برز المنهج الجمالي المعرفي بوصفه توجّهًا نقديًّا معاصرًا يسعى إلى الموازنة والجمع بين لذّة التلقي الجمالي وعمق المعنى المعرفي في مقاربة النصوص الأدبية، ويقوم على فهم الأدب باعتباره ظاهرة جمالية معرفية؛ أي إنه لا يكتفي بتذوّق الجمال الفني في النص، بل ينظر إلى ما يحمله من معانٍ وقيم معرفية.

المنهج الجمالي المعرفي هو منهج نقدي تحليلي شمولي واحتوائي، يركّز على الجانب الشكلي للنص، وقد ظلّت الظاهرة الجمالية موضوعًا مشتركًا يتناوله بالبحث كلٌّ من الفيلسوف، وعالم النفس، ومؤرخ الفن، والناقد الأدبي. ويُعدّ من أهم مناهج النقد الأدبي في العصر الحديث للوقوف على جماليات النص الأدبي وكشف خصائصه الجمالية، اعتمادًا على العناصر والقيم الإيجابية التي تؤدي إلى وظائف جمالية في النص، كاللغة، والأصوات، والجمل، والصور، ومهارات الحسّ والجمال اللغوي.

في هذا المنهج تُستعاد قيمة الجمال بوصفها مدخلًا أصيلًا للفهم؛ فالصورة الشعرية، والإيقاعات، واللغة الرمزية نوافذ نحو المعنى، وهو ما يتجاوز النظرة الشكلانية التي تركّز فقط على البناء الفني، كما يتجاوز النظرة التقريرية التي تحصر الأدب في دوره المعرفي أو الرسالي. يُوصَف النص الأدبي بالجمالية المعرفية شكلًا ومضمونًا، بوصفها خاصية تميّزه عن النصوص الأخرى، وظاهرة إبداعية تُفسَّر من خلالها طبيعته ووظيفته، وذلك في ضوء نظرية الأدب التي تحدد عناصر الجمال في النص، والتي يُحسن إتقانها الكاتب، وتُحفّز القارئ على الكشف عن أسرارها اللغوية والأدبية.

عمومًا، تتجلّى الثقافة الجمالية المعرفية في النصوص والمنتج الأدبي والمخيّلة وحساسية القوى الإبداعية؛ فالأسس الجمالية تبقى حاضرة في القراءة النقدية التي يستعين بها الناقد الجمالي، إذ يبحث عن الرموز والعناصر، ويستكشف إيقاع النص وموسيقاه، والكلمات وظلالها، والعبارات وصياغتها، بغية تحقيق شمولية متكاملة في عملية الدراسة النقدية. ويتولى اليوم (علم الجمال) الصدارة من حيث الأهمية في الدراسات النقدية، من خلال قدرته على التغلغل في ثنايا الخطاب الإبداعي وتقويمه، واكتشاف القوانين العامة للظاهرة الأدبية، وتحديد مستوى الإبداع في النص، ومدى تحوّل (المفاهيم الجمالية) إلى (قيم جمالية) داخل النص الإبداعي. فالمفهوم يظلّ مفهومًا ما دام خارج إطار الإبداع، أي خارج إطار الذاتي في النص، وحين يدخل المفهوم إلى النص الإبداعي يصبح قيمة جمالية معرفية، ويتشكّل ضمن الصورة الفنية الحيّة ومعطيات (علم الجمال).

نجد تكاملًا عميقًا بين النقد وعلم الجمال، باعتبار أن النقد الأدبي يتناول جزئيات الخطاب الإبداعي، ويستغرق في تفاصيل دقيقة لها علاقة بالمفردة، والتركيب، والصورة، والصوت، والإيقاع، بينما يهتم علم الجمال بالقوانين العامة للخطاب. وكلٌّ منهما بحاجة إلى الآخر لخدمة الإبداع الأدبي بأشكاله المختلفة. ولعلّ الإنجاز الأهم في (علم الجمال) يتمثّل في كشفه (المثل الجمالي)، وهو الصورة المتخيّلة أو المرجوّة للجمال الكامل، التي يسعى الإنسان إلى التعبير عنها وإدراكها وتجسيدها في الفن والأدب والخلق الإبداعي عمومًا، مما يفتح آفاقًا خصبة لدراسة النصوص الإبداعية.

#ملف_الهدف_الثقافي #صحيفة_الهدف #نقد_أدبي #جماليات #علم_الجمال #الأدب_الحديث #فكر

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.