قلم : م . عادل أحمد محمد
لم يعد دور المثقف اليوم محصورًا في رصد الخراب أو بكاء الأطلال، التي خلفتها نخب “الغنائم” وجنرالات “المصالح” منذ عام 2003. إن الجرح غائر، والجيل الحالي يعيش حالة “شلل وجودي” بين نهب الشمولية وضياع الهوية. لكن، وأمام هذا الظلام الدامس، يبرز دور جديد ومصيري: المثقف بوصفه “مبشرًا بالبذور” وحارسًا للأمل الكامن تحت ثلوج اليأس.
الهروب من “فخ التوصيف” إلى “فعل التبشير”
لقد استهلكنا عقودًا في وصف “الخطيئة”، حتى غرق الجيل في “ارتباك حائر”. دور المثقف الآن ليس أن يخبر الجائع بأنه جائع، بل أن يزرع في روعه أن “الجوع” هو وقود الرفض، وأن “التشتت” هو مخاض لوعي جديد. إننا بحاجة إلى مثقف يرفض “لعنة العدم” ويتبنى “شوق الحياة”، تمامًا كما نادى أبو القاسم الشابي.
البوصلة وسط الضجيج الرقمي
في زمن “ساحات الصراخ” الافتراضية، التي زادت الجيل تشتتًا، يجب على المثقف أن يكون “فلتر الحقيقة”. وظيفته هي تفكيك أكاذيب النخب، التي توهم الشباب بأن “الاستقرار هو العبودية المختارة” وبأن “الخبز ثمنه الكرامة”. البوصلة التي يجب أن يقدمها المثقف للجيل الحائر تتلخص في ثلاث نقاط:
1. استعادة الوعي بالحق: التأكيد على أن الدولة “عقد اجتماعي” وليست “إقطاعية خاصة”.
2. كشف زيف الصراعات الجانبية: توجيه البصر نحو “المستفيد الحقيقي” من التفتيت الطائفي والقبلي.
3. ترسيخ “أدب الصمود”: تحويل الهزيمة النفسية إلى طاقة بناء لمستقبل لا يقبل بـ “أنصاف الحلول”.
حراسة “بذور” القادم
إن الشباب، الذين وصمناهم بالضياع هم في الحقيقة “بذور” تحت الثلج. إنهم يختزنون تجارب القهر، وفشل الدبلوماسية، ومرارة الاغتراب. دورنا هو رعاية هذه البذور، وحمايتها من “التآكل الذهني”، وإعدادها للحظة “استجابة القدر”.
إن النخب التقليدية، التي تتصدر المشهد اليوم هي “أوراق خريفية” محكوم عليها بالسقوط مهما بدا تمسكها بالأغصان قويًا. أما “النخبة الحقيقية” فهي التي تولد الآن من رحم المعاناة، تلك التي ستعرف كيف تبني دولة المواطنة من فوق أنقاض “دولة الوكلاء”.
الخاتمة: النداء الأخير
يا شباب الأمة، إن الحيرة، التي تعيشونها ليست نهاية الطريق، بل هي “قلق السؤال” الذي يسبق “يقين الثورة”. وإن دورنا، نحن الذين آمنوا بصمود الجبال، أن نذكركم دومًا: “من يتهيب صعود الجبال، يعش أبد الدهر بين الحفر”.
نحن لا نبيع الوهم، بل نزرع اليقين بأن “الليل” مهما طال، فإن “البذور” الكامنة في أرواحكم هي الضمانة الوحيدة لربيع عربي حقيقي، لا تصنعه الصدف، بل يصنعه الوعي المنظم والإرادة التي لا تنكسر.

Leave a Reply