الوليد عمر عباس
لقد كانت هناك تجارب ناجحة لزراعة القطن في أنحاء متفرقة من البلاد سبقت قيام المشروع في عدة مناطق في السـ.ـودان، وأهم تلك التجارب الناجحة قامت في مشروع الزيداب بولاية نهر النيل عام 1905 إبان الحكم البريطاني في مساحة تبلغ 10 آلاف فدان بمبادرة من رجل أعمال أمريكي يدعى مستر هنت (شركة السـ.ـودان الزراعية وهي قطاع خاص تأسست في لندن في بداية القرن العشرين وتعمل في الاستثمار الزراعي وزراعة القطن تحديداً في السـ.ـودان)، كأول مشروع زراعي يُروى بالطلمبات في القارة الأفريقية والسـ.ـودان بعدد 5 طلمبات ضخمة لزراعة القطن وتشييد ورش لتصنيع الأسيرات ومحلج وسكة حديد لترحيل القطن للمحالج وتصديره… نجاح تجربة زراعة القطن في الزيداب وتنامي الطلب الخارجي على المحصول ساهما في تجربة زراعته في الجزيرة عام 1911م وتحديداً في منطقة طيبة شمال مدينة ود مدني في مساحة تبلغ حوالي 250 فداناً تُروى بالطلمبات حتى بلغت 22 ألف فدان في عام 1924. وفي عام (1905 صدر قانون تسوية الأراضي) وبعد نجاح تجربة زراعة القطن التي سبقتها إجراءات تسوية الأراضي وتسجيلها لأصحابها في مشروع الجزيرة في الفترة من (1907-1910)، وبحلول العام 1911 تم مسح وتسجيل مساحة 944.000 ألف فدان بأسماء ملاكها.
2/ وفيما يتعلق بإنشاء خزان سنار، فلقد وافقت الحكومة البريطانية ومجلس العموم البريطاني، بعد الضغوط التي مارستها عليهم شركات الغزل والنسيج، بتقديم قرض في عام 1913 بمبلغ 3 ملايين جنيه إسترليني لحكومة السـ.ـودان لتمويل بناء خزان سنار وشق القنوات وضمان الترتيبات الإدارية والفنية المصاحبة لري أراضي مشروع الجزيرة، ومراعاة عدم الإضرار بمصالح مصر المائية جراء قيام هذا المشروع، ولكن لم يتم العمل في بناء الخزان لقيام الحـ.ـرب العالمية الأولى عام 1914، وتواصل العمل بعد انتهاء الحـ.ـرب بتكلفة بلغت 13 مليون إسترليني، وتم ملء الخزان بالمياه للمرة الأولى عام 1925، وفي عام 1926 الخميس 21 يناير الساعة 11 ظهراً تم افتتاح الخزان رسمياً. (خزان كهرومائي ولري الجزيرة والمناقل انسيابياً وأيضاً لري مشاريع النيل الأزرق وسكر غرب سنار ومشروع الرهد وتوليد الطاقة الكهربائية الهيدروليكية/ 14 ميغاوات تغطي أكثر من 80% من استهلاك الولاية).
(وقبل ذلك وفي عام 1909 تم الانتهاء من بناء خط للسكك الحديدية من سنار إلى كوستي ومنها نحو مدينة الأبيض). وبعد اكتمال بناء خزان سنار وبدأ النشاط الزراعي والإنتاج في مشروع الجزيرة بموجب قانون امتياز الشركة الزراعية السـ.ـودانية التي أُسندت إليها إدارة المشروع مقابل 20% من صافي عائدات القطن بعد خصم الحساب المشترك، و40% لحكومة السـ.ـودان، و40% للمزارعين بعد أن قامت الحكومة باستئجار الأرض من أصحابها المواطنين بسعر ريال مجيدي للفدان سنوياً بعقد إذعان لمدة 40 عاماً بدأ من عام 1927 وينتهي في عام 1967، ولكن لم تلتزم الحكومات التي جاءت بعد خروج الإنجليز من السـ.ـودان بشروط هذا العقد من ناحية قيمة الأجرة أو مدة انتهائه.
3/ المرحلة الثالثة للمشروع 1970 وحتى يومنا هذا: فقد تم التوسع في المشروع لتصل مساحته لأكثر من 2 مليون فدان وتوسعت شبكة الري ليصل طولها إلى أكثر من 150 ألف كيلومتر تحمل سنوياً حوالي 8 مليارات متر مكعب من المياه لري المشروع (تمثل حوالي 50% من استخدامات السـ.ـودان من مياه النيل) لري محصول القطن الذي ارتبط مشروع الجزيرة به ارتباطاً وثيقاً بزراعته، مما ترك أثراً إيجابياً على خزينة الدولة بتوفير موارد مقدرة من العملات الأجنبية (حينها كان الجنيه السـ.ـوداني تعادل قيمته حوالي ثلاثة دولارات أمريكية)، مما كان له عظيم الأثر على الدخل القومي ومن ثم على التنمية في السـ.ـودان (كأكبر مزرعة تُروى رياًّ انسيابياً في العالم). وقد تم تنظيم تلك المساحة (2.2 مليون فدان) في 18 قسماً تراوحت مساحة كل قسم يضم مساحة من 60 إلى 190 ألف فدان، وتم تقسيم كل قسم إلى عدة تفاتيش (جمع تفتيش)، وتفاوت عدد التفاتيش بين 4 إلى 8 تفاتيش للقسم الواحد.
4/ لنتعرف أكثر على كيفية عمل المشروع لابد أن نتطرق للحساب المشترك والذي تتوزع المسؤوليات فيه على ثلاثة أطراف:
- الحكومة: والتي تتحمل تكلفة إيجار الأرض من أصحاب الملك الحر وتقوم بتوفير الماء للزراعة وأيضاً تقوم بالمنشآت وشبكة الري الكبرى في المشروع.
- الشركة الزراعية السـ.ـودانية: (1925 حتى 1950 وهو تاريخ انتهاء عقدها ليحل مكانها إدارة مشروع الجزيرة) وكانت تتولى شؤون الإدارة كوكيل للحكومة وتراقب العمليات الزراعية وتوزع الحيازات (الحواشات) على المزارعين وتوفر التمويل.
- المزارعون: ويقومون بزراعة الأرض وفلاحتها ورعاية محصول القطن، ويتم توزيع الأرباح الإجمالية وفق الحساب المشترك بعد خصم التكلفة الإنتاجية… كالتالي:
- الحكومة: ونصيبها 40% من صافي عائدات القطن بعد خصم الحساب المشترك لمقابلة تكلفة الديون وإيجار الأرض وصيانة المنشآت.
- الشركة الزراعية السـ.ـودانية: ونصيبها 20% لمقابلة تكلفة التشغيل والعمالة المستخدمة بالإضافة لهامش ربح…
- المزارعون: (نصيبهم 40% من صافي عائدات القطن مقابل جهدهم وعائد أرباحهم من الإنتاج بعد خصم تكلفة الإنتاج، وتصرف لكل مزارع على حسب إنتاجيته من القطن مع السماح للمزارعين بزراعة 5 أفدنة ذرة ومثلها لوبيا دون شراكة من الحكومة أو الشركة أو إدارة المشروع لاحقاً).
كما أن اتفاقية الإيجار التي أقرت مبدأ الشراكة الثلاثية قد أعطت الشركة السـ.ـودانية الحق في أن تقوم بأي دور للمستأجر (المزارع) حال فشله في القيام به على أن تُخصم التكاليف المترتبة على ذلك من أرباح المزارع (تعرف هذه العملية بنظام الطلبة)، كما يجوز للمفتش سحب الحواشة من المزارع في حالة عدم تقيده بالنظم والقوانين المتبعة في المشروع.
وقد تم تعديل الأنصبة في عام 1960 (بعد قيام امتداد المناقل) لتصبح كالتالي: الحكومة 42%، و42% للمزارعين، و10% لإدارة مشروع الجزيرة، و2% احتياطي، و2% الحكومة المحلية، و2% الخدمات الاجتماعية. وفي موسم 1963-1964 (إنتاج القطن وفير والأسعار مناسبة) تم تعديل الأنصبة مجدداً لتصبح كالتالي: الحكومة 36%، والمزارعون 48%، وإدارة المشروع 10%، و2% احتياطي، و2% الحكومة المحلية، و2% الخدمات الاجتماعية.
وفي عام 1981 أصدر رئيس الجمهورية حينها جعفر نميري قراراً باستبدال نظام الحساب المشترك والذي كان يتم بمقتضاه خصم التكلفة الإجمالية لكل المزارعين من العائد الإجمالي لمحصول القطن وتوزيع الفائض على الحكومة والشركة الزراعية السـ.ـودانية (إدارة المشروع لاحقاً) والمزارعين كأرباح كلاً على حسب نسبته… في عام 1984 تحول النظام من الحساب المشترك لنظام الحساب الفردي الذي يتحمل فيه كل مزارع تكلفة إنتاج القطن الذي يقوم بزراعته منفرداً. وفي عام 1984 صدر قانون مشروع الجزيرة وجاءت نصوصه ومواده القانونية لتنظم العلاقة داخل المشروع، ولقد تبع هذا التغيير إدخال نظام الرسوم الإدارية والتي بمقتضاها يدفع كل مزارع رسوماً مقابل الأرض والماء، واستمر هذا الوضع حتى صدور قانون مشروع الجزيرة لعام 2005، ومنذ ذلك التاريخ بدأ تدهور المشروع وانهياره.
لكن يظل السؤال قائماً في كيفية إعماره وعودته مجدداً ليساهم في تنمية البلد، والإجابة تكمن في معرفة الأسباب التي جعلته ناجحاً في ماضي الزمان واتباعها مع الاستعانة بالتكنولوجيا والتطور الذي حدث في العالم حولنا، مع ضرورة وجود قوانين صارمة تُنفذ على جميع الشركاء، وإصلاح الري والتربة والبحوث الزراعية والهندسية مع نظام إداري يمتاز بالكفاءة العالية وإرادة سياسية حقيقية تسعى لإحداث التغيير للأفضل.

Leave a Reply