نحو استكمال مهام مرحلة ما بعد الاستقلال

صحيفة الهدف

الاحتفال بالاستقلال يكون بالعودة إلى بناء دولة العدالة الاجتماعية التي تحرر الإنسان السـوداني من قيود الفقر والجهل والتبعية

محمد ضياء الدين

بمناسبة ذكرى استقلال السودان، دائمًا ما يطرح السؤال القديم المتجدد عن ماهية الاستقلال وحصيلته في الميدانين الاقتصادي والاجتماعي. في الحقيقة ظلت معركة بناء الدولة الحديثة، ذات الاقتصاد القادر على تلبية طموحات الشعب السـوداني، في مقدمة المهام التي طرحتها مرحلة ما بعد الاستقلال، وإلى اليوم لا تزال المهمة قائمة والسؤال مطروحاً.

لقد كان الاستقلال السياسي لحظة فارقة، ومع ذلك ظل منقوصاً للأسف بفعل استمرار التبعية الاقتصادية للمراكز الاستعمارية، سواء بإرادة بعض النخب السـ.ـودانية أو رغماً عنها. ويتضح هذا النقص بشكل واضح في التركيز شبه الأحادي على تصدير المواد الأولية كالقطن والثروة الحيوانية والصمغ العربي، دون تطوير حقيقي لوسائل الإنتاج أو بناء قاعدة صناعية تحويلية. وقد أدى ذلك إلى بروز تشوهات كبرى في بنية الاقتصاد الوطني وبالتالي ظل الاقتصاد السـ.ـوداني ريعياً في جوهره، غارقاً في واقع إنتاج تقليدي قائم على الزراعة والرعي التقليديين، على حساب بناء قطاع إنتاجي حديث يعتمد على الآلة والتقنية والتخطيط العلمي، لا سيما في ظل الاعتماد على سلعة واحدة أو عدد قليل من السلع لتحقيق عائدات التصدير.

ونتيجة لهذا الواقع، كان من الطبيعي، في ظل هذا النموذج المتخلف، أن تنشأ مصالح فئات اجتماعية وسياسية ارتبط وجودها وثراؤها باستمرار هذا النمط الريعي من الإنتاج التقليدي والتجارة ونهب الثروات الوطنية. وبالإضافة إلى ذلك، التقت مصالح هذه القوى الاجتماعية مع الضغوط الخارجية، لتتمكن من احتكار النشاط الاقتصادي ولتشكل سداً مانعاً أمام أي محاولة جذرية لإعادة توجيه الاقتصاد السـ.ـوداني نحو التحرر والتنمية الاجتماعية عبر التصنيع والاكتفاء الذاتي النسبي.

في مرحلة لاحقة بعد الاستقلال بدأت تظهر ملامح قوى اجتماعية جديدة مرتبطة بنماذج التنمية الاقتصادية الناشئة ببطء لخدمة المصالح الاستعمارية، ممثلة في القوى العاملة بالمشاريع الزراعية والصناعات التحويلية الناشئة. غير أن هذا المسار اصطدم بعقبات جيوسياسية مع بروز مراكز استعمارية رأسمالية ومالية ضخمة. فمثلاً جاءت “المعونة الأمريكية”، وغيرها من أشكال المساعدات الغربية لاحقاً، حاملة في طياتها شروطاً سياسية واقتصادية ملزمة، وكثيراً ما كانت هذه المعونات والقروض أداة لتوجيه السياسات الداخلية ولربط الاقتصاد السـ.ـوداني أكثر فأكثر بالمنظومة الرأسمالية العالمية وفق شروط غير متكافئة، خاصة مع صعود تيارات العولمة والنيوليبرالية.

ثم جاءت مرحلة التكييف الهيكلي التي قادت إلى تحرير الأسواق وإزالة القيود على التجارة الخارجية ورفع الدعم عن السلع والخدمات وتخفيض قيمة العملة الوطنية وتصفية مؤسسات القطاع العام وخفض العمالة في عقدي الثمانينيات والتسعينيات، تحت رعاية صندوق النقد والبنك الدوليين، لتمثل ذروة هذا الارتهان، مما أسفر عن تآكل القطاع العام الذي كان يُنظر إليه كرافعة محتملة للتنمية، وازدادت بذلك معدلات الفقر والبطالة والأمية، وضعف دور الدولة التنموي والخدمي، خاصة بعد انقلاب 89 الذي احتكرت فيه قوى الطفيلية الإسلاموية التي نمت وترعرعت في كنف فساد السلطة المالي والإداري، واحتكرت بذلك الاستيراد والريع ورأس المال الأجنبي وعلى مجمل النشاط الاقتصادي والتجاري. وهكذا تحالف نفوذ رأس المال الخارجي مع مصالح قوى رأس المال الطفيلي في الداخل ليشكلوا كتلة تاريخية معيقة للتحديث والتنمية الاجتماعية، بعد إقصاء وتهشيم الطبقة الوسطى.

إن هذا التداخل المعقّد بين التبعية الخارجية والهيمنة الداخلية لقوى رأس المال الطفيلي قد أنتج واقعاً مريراً، تمثل في تدهور النهوض الاقتصادي والاجتماعي، وتكريس واقع التبعية والتخلف، واتساع رقعة الفقر والبطالة والفساد، واندلاع الصـ.ـراعات حول الموارد، ذلك بسبب العجز والضعف الهيكلي للرأسمالية المحلية التي يجذبها النشاط الطفيلي ويحكمها الكسب السريع.

لقد شكلت هذه العوامل الملامح الأساسية لسـ.ـودان اليوم، الذي تحول في أحسن الأحوال إلى سوق استهلاكي، ومصدر للمواد الخام الرخيصة، وساحة مفتوحة لنفوذ قوى الاستعمار الجديد التي تتنافس على ثرواته النفطية والمعدنية والحيوانية والزراعية دون اكتراث حقيقي بتنميته. بل وفوق ذلك ساهمت سياسات هذه القوى في تأجيج النزاعات وإطالة أمد الحـ.ـروب الأهلية المدمرة.

لذلك، فإن المهام التي طرحتها مرحلة ما بعد الاستقلال على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي تنتظر الإنجاز، بعد فشل الاعتماد على رأس المال الأجنبي، وبعد أن أثبتت التجربة أن هذه الموارد غير مستقرة وغير مضمونة لارتباطها بالتوجهات السياسية للجهات المانحة.

هذا الواقع يتطلب أولاً وبصورة ملحة، قطع الحبل الواصل مع هذا الماضي، عبر بناء منظومة اقتصادية وطنية مستقلة تعتمد على الذات وتستغل موارد السـ.ـودان المتنوعة في عملية إنتاجية تحويلية عميقة. وهذا بدوره يعني تجاوز اقتصاد الريع الأحادي، نحو اقتصاد إنتاجي متنوع قائم على التصنيع الزراعي والصناعات الوسيطة والثقيلة، وإنشاء البنى التحتية الضرورية. غير أن هذا التحول لا يمكن له أن ينجح دون معركة شاملة تفكك بنية الفساد والاستبداد الذي ينهب الموارد ويعطل الآليات، وكذلك لا بد من ربط التنمية الاقتصادية والاجتماعية ببرنامج ديمقراطي شامل، يضع السلطة والثروة في يد الشعب.

إن مثل هذا البرنامج الوطني الديمقراطي التنموي المستقل، هو وحده القادر على وضع البلاد على طريق الخروج من دوامة التخلف والتبعية بعد ربطه بأفقه القومي التحرري، على طريق النهوض الحقيقي. وهو النهج الوحيد القادر على إعادة إعمار ما دمرته الحـ.ـرب، وفتح الطريق أمام تنمية وطنية مستقلة ومتوازنة، تليق بتضحيات الأجيال التي ناضلت من أجل الحرية والسـ.ـلام والعدالة الاجتماعية والتقدم.

عليه فإن الاحتفاء الحقيقي بذكرى استقلال بلادنا يكون بالعودة إلى بناء دولة العدالة الاجتماعية التي تحرر الإنسان السـ.ـوداني من قيود الفقر والجهل والتبعية، وتؤسس لسيادة وطنية حقيقية، اقتصادية كانت أم سياسية.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.