قيادات وطنية سودانية تلتقي بالقيادة القومية للبعث العام 1947م: تنسيقاً لطرد الاحتلالين الإنجليزي والفرنسي

صحيفة الهدف

بقلم: ماجد الغوث

مدخل مفاهيمي: إعلان الاستقلال، أو بيان الاستقلال، هو تأكيد رسمي يصدر عن نظام حكم في إقليمٍ معيّن، يُعلن بموجبه تحوّل هذا الإقليم إلى دولة مستقلة ذات سيادة. ويُقصد بالاستقلال الحالة، التي يمارس فيها شعبٌ أو أمةٌ أو دولةٌ حكمًا ذاتيًا كاملًا، ويتمتع فيها السكان بالسيادة على أراضيهم ومواردهم، دون خضوع لسلطة دولة أخرى. وبعبارة أدق، فإن استقلال أي بلد يعني قيام حكومة وطنية خاصة، لا تخضع في قراراتها السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية لأي قوة خارجية.

أولاً: الجذور التاريخية للحكم الأجنبي في السودان: في الفترة الممتدة من عام 1820 إلى 1874، خضع السودان للغزو والسيطرة من قبل الأسرة العلوية في مصر. وقد قوبل هذا الحكم بثورة وطنية كبرى قادها محمد أحمد المهدي بين عامي 1881 و1885، انتهت بإعلان الدولة المهدية، التي مثّلت أول تجربة حكم وطني سوداني مستقل في العصر الحديث. غير أن هذه الدولة لم تدم طويلًا؛ إذ تم القضاء عليها عسكريًا في عام 1898 على يد القوات البريطانية، التي أعادت إخضاع السودان للسيطرة الاستعمارية.

ثانياً: الحكم الثنائي وبناء الإدارة الاستعمارية: في يناير 1899، وُقّعت اتفاقية الحكم الثنائي بين بريطانيا ومصر، ونصّت مادتها الثانية على: (تخويل القيادة العسكرية والمدنية العليا في السودان لضابط واحد يُطلق عليه اسم الحاكم العام للسودان، يُعيَّن بمرسوم من الخديوي بناءً على توصية حكومة جلالة الملكة، ولا يُعفى إلا بموافقتها). وبموجب هذه الاتفاقية، أصبح الحاكم العام البريطاني – وهو في الأصل ضابط عسكري – مسؤولًا مباشرة أمام وزارة الخارجية البريطانية عبر وكيلها المقيم في القاهرة. كما أُنشئ جهاز إداري استعماري يتكوّن من مفتشين ومفوضين محليين، وكان معظم الموظفين الإداريين في البداية ضباطًا في الجيش البريطاني ملحقين بالجيش المصري. وفي عام 1901، بدأ وصول الإداريين المدنيين البريطانيين إلى السودان، ليشكّلوا النواة الأولى للخدمة المدنية الحديثة.

ثالثاً: نشأة القوة العسكرية الوطنية: في عام 1925، تم تأسيس قوة دفاع السودان تحت إدارة ضباط سودانيين، لتحل محل الوحدات العسكرية المصرية، في خطوة مثّلت تطورًا مهمًا في بناء الكوادر الوطنية، ومهّدت لاحقًا لبلورة الوعي العسكري الوطني.

رابعاً: الاستقلال والتنمية والوعي الوطني: تكمن أهمية الاستقلال في كونه شرطًا أساسيًا للتنمية البشرية، بدءًا من النمو الفردي، وصولًا إلى المساهمة المجتمعية والسياسية. وقد تجلّت لدى الإنسان السوداني نزعة أصيلة نحو الحرية والاستقلال، وقدرة فطرية على التفكير والتصرف بعيدًا عن الإملاءات الخارجية.

هذا الاستعداد التاريخي العميق قاد السودانيين إلى ملحمة وطنية ذات آفاق قومية، تمثّلت في نشوء الحركة السياسية الحديثة.

خامساً: جمعية الاتحاد السوداني وبدايات التنظيم السياسي الحديث: تأسست جمعية الاتحاد السوداني في عام 1920 بمدينة أم درمان، باعتبارها أول تنظيم سياسي حديث في السودان. وضمت خمسة أعضاء مؤسسين هم:

• عبيد حاج الأمين

• توفيق صالح جبريل

• محي الدين جمال أبو سيف

• إبراهيم البدري

• سليمان كشة

وينتمي هؤلاء إلى القوى الاجتماعية الجديدة، التي نشأت مع تطور المشاريع الاقتصادية والتعليمية والثقافية، وكان معظمهم من صغار الموظفين والكتبة. ومن هنا يمكن القول إن الحركة السياسية الحديثة في السودان نشأت في أحضان:

• كلية غردون التذكارية

• الحركة الأدبية العربية

• نادي الخريجين

• شريحة الموظفين الصغار

اعتمد التنظيم على نظام الخلايا (كل خلية تضم خمسة أعضاء)، بما يضمن السرية والأمان التنظيمي.

أشكال العمل الجماهيري للجمعية:

• تنظيم الندوات الأدبية

• العمل السياسي المباشر عبر مهاجمة الإدارة الاستعمارية والمتعاونين معها

• إرسال الرسائل السياسية عبر البريد

• إصدار المنشورات

• الكتابة في الصحافة المحلية والمصرية

• إرسال الطلاب السودانيين للدراسة في مصر

• الدعوة لاستقالة الطلاب من كلية غردون التذكارية

سادساً: الانقسام التنظيمي وبروز جمعية اللواء الأبيض: نشب خلاف داخل جمعية الاتحاد حول منهج العمل السياسي:

الاتجاه الأول: قاده عبيد حاج الأمين، ودعا إلى الانتقال من النشاط الأدبي السري إلى المواجهة السياسية العلنية والمباشرة مع الاستعمار.

الاتجاه الثاني: قاده توفيق صالح جبريل وإبراهيم البدري وسليمان كشة، وفضّل إعطاء الأولوية للنشاط الثقافي والأدبي.

أدّى هذا الخلاف إلى انشقاق عبيد حاج الأمين وتأسيس جمعية اللواء الأبيض عام 1923، التي قادت ثورة 1924 بقيادة علي عبد اللطيف. وقد قدّم علي عبد اللطيف مذكرة سياسية مفتوحة نشرتها صحيفة حضارة السودان بعنوان) مطالب الأمة، (وتضمنت:

1. حق تقرير المصير

2. إلغاء احتكار الحكومة للسكر والمواد التموينية

3. المساواة بين الموظفين السودانيين والأجانب

4. حق السودانيين في اختيار من يوجّههم نحو الاستقلال

سابعاً: الاستقلال من منظور قومي عربي: لم يكن الاستقلال في الوعي الوطني السوداني محصورًا في معناه القانوني أو الإجرائي فحسب، بل ارتبط منذ وقت مبكر بأفق قومي عربي أوسع، يرى في تحرّر السودان جزءًا لا يتجزأ من معركة الأمة العربية ضد الاستعمار والتجزئة. ويتجلّى هذا البعد القومي بوضوح في أول زيارة موثّقة لوفد من قيادات الحركة الوطنية السودانية إلى دمشق عام 1947، أي قبل الاستقلال بعقدٍ كامل، حيث التقى الوفد بالمفكر القومي ومؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي الأستاذ ميشيل عفلق، في سياق عربي كان يواجه آنذاك محاولات التفكيك والهيمنة الاستعمارية.

انتقل النضال الوطني السوداني لاحقًا إلى أفقه القومي العربي. ففي آذار/مارس 1947، وأثناء انعقاد المؤتمر التأسيسي الأول لحزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا، زار وفد من قيادات الحركة الوطنية السودانية دمشق للقاء المفكر القومي العربي ميشيل عفلق، وذلك قبل استقلال السودان بنحو عقد من الزمان.

وخاطب ميشيل عفلق الوفد السوداني، بحضور وفود من سوريا ولبنان والعراق، مؤكدًا أن: الاستعمار لا يملك دافعًا سوى النهم والجشع، وأن أخطر أدواته هي التجزئة والانفصال، داعيًا إلى رفض كل مشاريع التفتيت، والتأكيد على أن الاستقلال الحقيقي لا يكتمل إلا بالوحدة القومية العربية، وبناء حزب عربي موحد في الاتجاه والقيادة والخطط في جميع الأقطار العربية.

وقد مثّلت تلك الزيارة تعبيرًا مبكرًا عن إدراك النخب الوطنية السودانية لخطورة مشروع التجزئة، وسعيها لربط قضية استقلال السودان بقضية الوحدة العربية والتحرر القومي الشامل. ورغم غياب الوثيقة الرسمية لهذه الزيارة في دار الوثائق القومية بالسودان، فإن هذا الغياب يُفهم في سياقه التاريخي، إذ كان السودان آنذاك خاضعًا للحكم الثنائي المصري–البريطاني، الأمر الذي حال دون توثيق تحركات ذات طابع سياسي وقومي خارج الإطار الذي يقرّه المستعمر. غير أن توثيق هذه الزيارة محفوظ في أرشيفات حزب البعث العربي الاشتراكي، وفي سجلات الوفد السوداني الزائر لدمشق.

في أعقاب انتفاضة أبريل 1985، وفي سياق الجهود الرامية إلى دعم وترسيخ التجربة الديمقراطية الوليدة في السودان، التقى وفد من حكومة الفترة الانتقالية بالقيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي في بغداد، بغرض التشاور والتنسيق حول سبل دعم الاستقرار السياسي، وتعزيز قدرة الدولة السودانية على تجاوز التحديات الوطنية والأمنية، التي واجهتها آنذاك.

وجاء هذا اللقاء امتدادًا لتقليد من التواصل السياسي والقومي، سبق أن تجسّد في لقاءات سابقة، من بينها لقاء عام 1947، بما يعكس عمق العلاقة السياسية والقومية، وحرص القيادة القومية على مساندة السودان في لحظاته المفصلية.

وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى محطتين بارزتين:

أولًا: في أعقاب كارثة السيول والأمطار، التي ضربت عددًا من مناطق السودان، وهددت حياة المواطنين وممتلكاتهم، بادرت القيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي بتقديم الدعم والمساندة، في إطار تضامن قومي هدفه التخفيف من آثار الكارثة، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة التداعيات الإنسانية والاقتصادية.

ثانيًا: في عام 1989، واجهت حكومة الفترة الانتقالية تحديًا أمنيًا خطيرًا كاد أن يهدد وحدة البلاد، تمثّل في احتلال مدينتي الكرمك وقيسان من قبل الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة الراحل الدكتور جون قرنق، وبمشاركة ياسر عرمان. وفي تلك اللحظة الحرجة، استجابت القيادة القومية بسرعة، وقدّمت إمدادات عسكرية نوعية، شملت أسلحة متقدمة دعمت قدرات الجيش السوداني، وأسهمت في احتواء الموقف ومنع انزلاق البلاد نحو مزيد من التفكك والانقسام.

ويُظهر هذا المسار من اللقاءات والتنسيق أن العلاقة بين السودان والقيادة القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي لم تكن علاقة ظرفية أو بروتوكولية، بل علاقة ذات بعد قومي وسياسي، انطلقت من إدراك مشترك لأهمية استقرار السودان، ووحدة أراضيه، ودوره في محيطه العربي.

في الذكرى السبعين لاستقلال السودان، أصدرت قيادة قطر السودان لحزب البعث العربي الاشتراكي بيانًا سياسياً عبّر عن قراءة نقدية معمّقة لمسار الاستقلال، معتبرًا أن الاستقلال الشكلي لا يكتمل ما لم يُترجم إلى سيادة وطنية حقيقية، وعدالة اجتماعية، ووحدة وطنية راسخة، واستقلال القرار الاقتصادي والسياسي عن الهيمنة الخارجية. وأكّد البيان أن ما يمرّ به السودان من أزمات بنيوية وح.روب وانقسامات هو نتاج مباشر لتعطيل مشروع الدولة الوطنية، وإفراغ الاستقلال من مضمونه التحرري والقومي.

كما شدّد البيان على أن معركة الاستقلال لم تكن، ولن تكون، حدثًا منتهيًا في الذاكرة الوطنية، بل هي عملية تاريخية مستمرة، تتطلب إعادة بناء الدولة على أسس المواطنة والعدالة والتنمية المتوازنة، وربط القضية السودانية بعمقها العربي والقومي، في مواجهة مشاريع التفتيت والتبعية. وبهذا المعنى، أعاد البيان التأكيد على أن الاستقلال الحقيقي هو مشروع تحرر شامل، لا ينفصل فيه الوطني عن القومي، ولا السياسي عن الاجتماعي والاقتصادي.

المصادر والمراجع

1. ميشيل عفلق، في سبيل البعث: الكتابات السياسية الكاملة.

2. حزب البعث العربي الاشتراكي، وثيقة البعث وقضايا النضال الوطني في السودان، بغداد، 1974.

3. تاج السر عثمان بابو، ثورة 1924، مقال.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.