السودان: مأساة وطن ذبحته النخب وأحياه “الصحن المشترك”

صحيفة الهدف

م/ عادل أحمد محمد

1- البداية: زواج الدم والمصلحة

لم تكن هذه الح.رب صدفة، بل هي النتيجة الحتمية لعقود من “الاستهبال السياسي”. عسكر يرفضون الثكنات، ومدنيون يطرقون أبواب الجنرالات للوصول إلى كراسي السلطة. الكل شارك في طبخ هذه السمّ، والكل كان يعلم أن البندقية لا تلد ديمقراطية، لكنهم فضلوا “المحاصصة” على الوطن.

2. المشهد الحالي: جيشان، حكومتان، وصفر سيادة

نحن الآن أمام مسرحية عبثية؛ قادة يت.قاتلون على الأنقاض، وحكومتان تدعيان الشرعية في بلد يفتقر لأبسط مقومات الحياة. الجيش انشغل بالسياسة فضعفت المهنية، والميلشيات توحشت فنهبت الأرض والعرض، وكلاهما جعل من أجساد السودانيين ومنازلهم ساحة لمعركة “كسر عظم” لا منتصر فيها سوى الموت.

3. النخبة الهاربة: ضجيج “الفنادق” وصمت “الخنادق”

أبشع فصول هذه الح.رب هو مشهد “الناشطين والسياسيين” الذين أشعلوا الفتنة بشعاراتهم، ثم كانوا أول من حجز مقاعد الطائرات. يتحدثون عن “الثورة” و”الشرعية” من غرف الفنادق في العواصم البعيدة، بينما يترك المواطن المغلوب على أمره يواجه الموت جوعاً، أو يموت أمام أبواب المستشفيات المغلقة التي تحولت إلى ثكنات.

4. اقتصاد العدم: الدولار بـ 4000 والروح بلا ثمن

بينما يتنافس أمراء الح.رب على مناجم الذهب وموارد البلاد، وصل المواطن إلى مرحلة “الوجبة الواحدة” التي قد لا تأتي. الدولار الذي يطحن ما تبقى من كرامة السودانيين هو الرصاصة، التي تصيب كل بيت، في ظل انهيار تام للدولة، التي لا نراها إلا في بيانات “الشجب والادانة”.

5. الحقيقة المرة: العالم “آلة حاسبة” بلا ضمير

توقفوا عن انتظار “المجتمع الدولي”. العالم لا يرى في السودان سوى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، أو سوقاً للسلاح، أو مورداً للمواد الخام. لا أحد سيبكي على طفل مات لفقدان الأنسولين أو مريض فشل كلوي لفظ أنفاسه بصمت. نحن مجرد “أرقام” في حسابات مصالحهم.

6. الرهان الأخير: معجزة “النفير” وسط الجحيم

برغم كل هذا القبح، يبرز وجه السودان الحقيقي في “الجار الذي يقتسم كسرة الخبز مع جاره”. لولا هذا التكافل الاجتماعي، ولولا “الصحن المشترك” الذي يتحدى القذائف، لانتهى وجودنا كشعب. هذا الشعب الذي أطعم نفسه في غياب الدولة، هو الوحيد، الذي يملك الحق في تقرير مصيره، بعيداً عن الوجوه القديمة والبنادق المستأجرة.

هذه الح.رب ليست من أجل السودان، بل هي حرب “علي” السودان. سحقوا الحاضر، سرقوا المستقبل، وهجروا الشباب.. ولم يبقَ لنا إلا “إرادة البقاء” وتماسكنا المجتمعي كخط دفاع أخير قبل السقوط في هاوية اللاعودة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.