ما بين (بارا) و(بارا) الأخرى

صحيفة الهدف

د. توتا صلاح مبارك

الزمان يُسجّل أنها سنو الشتات الأولى.. حين احتشد الوجدان بشوقٍ غامر لأرض الميلاد، والحب، والمواجع. فأنِفَ أن يتآلف مع “أرضٍ غريبة” مدّت ذراعيها لتحتضن، فلم تنبت معها للودّ بذرة. كان الشتاء قارساً، يكاد يجمّد أطرافي، لكنه ينهزم ويذوب حين يلامس فؤاداً سكنته شمسٌ حارقة، وذكريات حرّى ملتهبة لوالدين عاشقين، تركتهما قسراً هناك، في وطنٍ مغبون لفظتنا أحزانه وجراحاته.

كانت الرياح، بصريرها، مثل ثكلى لا تتوقف عن النحيب والعويل. أما السماء فكانت تنزف دمعاً سخياً، ثم زخّات لا تصمد طويلاً، فتتجمّد قبل أن تحتضن الأرض. الأرض ذاتها لم تنأَ عن تلك اللوحة القاتمة؛ فقد ألقت بظلالها وسكبت تشكيلها، لتتغطى بحبيبات جليد صغيرة لامعة، صمد في وجهها لون الشارع المسفلت، لتبدو كجزيئات بلور سوداء.. أو “الثلج الأسود” Black ice كما يسمّونه.

الثلج الأسود؟ أين هو من رمالٍ شابهت الذهب، بل سال منها الذهب؟ تبّاً لي.. لا أقوى إلا أن أقارن بأرضٍ يسحقني عشقها ويسكنني، حين لا أسكنها. واصلت مسيري في مدينة (منتروز)، وهي مدينة صغيرة تقع على الساحل الشرقي لاسكتلندا، تبعد نحو ثمانيةٍ وعشرين ميلاً جنوب مدينة أبردين، وسبعةٍ وثلاثين ميلاً شمال مدينة إدنبرة. كانت (منتروز) إحدى المدن التي أذهب إليها ضمن العيادات الممتدة لتخصص جراحة العظام، من المستشفى الأم الذي أعمل به.

دلَفتُ إلى داخل المكتب، وإحدى يديّ تحتضن بقوة كوب قهوة ساخن أستمدّ منه بعض الدفء. قذفت بجوفي بعض الرشفات قبل أن تطلّ إحدى النساء، وكانت ضمن قائمة الأشخاص الذين يجب أن أعاودهم. كانت متوسطة العمر، أو ربما تجاوزت أواسطه بقليل، وأسرت ناظري بملامح اكتست هدوءاً وطيبة. بدأنا نتجاذب الحديث وأنا أسجّل تاريخها المرضي. حين تحدثت، لاحظت ذات الغلاف من التهذيب وتخيّر المفردات الذي يميّزهم. كما لفت انتباهي أن لغتها الإنجليزية تحمل لكنة تميل بها قليلاً إلى كفة من لا يتحدثونها كلغة أم.

لم أتمالك نفسي طويلاً، فسألتها: إلى أي بلد تنتمين؟ كانت إجابتها: “أنا من بارا”. هتفت مذهولة بصوت أقرب إلى الصياح: “بارا؟”. كان اسم بارا يسكن مساحة في قلبي، تتوهج حباً وذكرى واحتفاءً. حدّثني والدي كثيراً عن بارا، وعيناه تلمعان، وتغالبان انسِراب دمع وشيك.. كانت نبرات صوته يشوبها تهدّج وتكسّر. إنها تلك البقعة التي احتضنت والدته فترةً من الزمن، حتى غيّبها الموت وهي بعدُ شابة، تضع مولوداً، ووُري جثمانها في ثرى بارا.

عاش أبي فيها زمناً من صباه الباكر، حيث كان يعمل والده. ذات مساءٍ حزين، وهو ابن الثالثة عشرة ربيعاً، في داخلية المدرسة الوسطى، جاءه زائرٌ من أهله، وكانت تحيّته: “الفاتحة.. البركة فيك، والدتك توفّت”. هكذا توأمت وامتزجت بارا عندي مع نقطةٍ بين الحضور والغياب. سيرتها تفجّر في وجداني ينابيع حبٍّ وشوقٍ لأرضٍ لم تكتحل أهدابي برؤيتها. لعلّه عبق المكان يهزّ مراقد الذكرى.

انتزعتُ نفسي بعنف من زخم ذكرياتي، الذي كاد يُنسيني المرأة التي تجلس أمامي، وقد كستها دهشة لم يكن سهلاً إخفاؤها، وبدا أنها مأخوذة بردّة فعلي على إجابتها عن جذورها وسرّ اختلاف نطقها. سألتها لأتأكد أنني لم أكن مخطئة فيما سمعت: “هل قلتِ بارا”؟ أجابت: “نعم، أنا من بارا، وهي جزيرة إسكتلندية صغيرة، يبلغ تعداد سكانها قرابة ألفٍ ومائةٍ وسبعين نسمة. و(بارا) بالإسكتلندية تعني: الطفل الصغير”. ثم أضافت: “نحن من المناطق التي تتحدث لغة القاليك، وهي لغة إسكتلندا القديمة، وتعود جذورها إلى القرن العاشر، وقد وفدت من إيرلندا، ولا يزال يتحدث بها ما يقرب من ستين ألف إسكتلندي”. وتابعت قائلة: “لقد تعلمتُ الإنجليزية في المدارس”. وكان ذلك درساً لم أكن أعلمه في التراث الإسكتلندي.

لم أنسَ أن أحدث والدي عن تلك المرأة الإسكتلندية و”باراتها” في أول سانحة عودة لي إلى الخرطوم. صمتَ والدي طويلاً، وصمتُّ أنا. بدت نظراته كأنها تُبحر، وتحطّ مراسيها في مرافئ شتّى، أثقل بعضها كاهل صباه اليافع.. ثم قال: “الآن أفهم لماذا كان الإنجليز، في مراسلاتهم الحكومية في السـ.ـودان قبل الاستقلال، عندما يَرِد اسم (بارا) يقرنونه بكلمة (السـ.ـودان)، أي: بارا/ السـ.ـودان. وفي ذلك إشارة إلى أن هناك (بارا) أخرى”.

لا للحـ.ـرب.. نعم لســودانٍ سـالمٍ، مسـالمٍ، غير مستســلمٍ.

#ملف_الهدف_الثقافي #بارا #أدب_المهجر #السـودان #قصص #ذكريات

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.