كلمة العدد: “الفن بوصفه بيان الاستقلال الأول”.. حين غنّى الوطن لنفسه

صحيفة الهدف

ليس الاستقلالُ وثيقةً تُوقَّع وعَلماً يُرفع فحسب؛ إنها لحظات وعي وتصميم وإرادة تتخلّق في الضمير الجمعي قبل أن تُعلن في الساحات وتُرفع على الساريات. وفي التجربة السـ.ـودانية، كان الفن — شعراً وغناءً وأدباً ومسرحاً — هو المختبر الأول لهذا الوعي وتلك الإرادة، حيث صاغ الخيالُ الوطنيُّ لغته قبل أن تتقدّم السياسة بخطواتها. فالكلمات التي خرجت من أفواه الشعراء، والألحان التي شقّت طريقها إلى القلوب، وإلى الفضاء الرحب، كانت بمثابة البيان الثقافي الذي مهّد لراية تُرفع ولأشواق وتطلعات أزفت.

من “صه يا كنار” لخليل فرح، حيث ارتقى الطائر رمزاً للوطن الجريح الصابر، إلى “عازة في هواك” التي جعلت من المرأة استعارة للأرض والكرامة، إلى “لن أحيد” للمبدع محيي الدين فارس، الذي لخص معاناة شعب السـ.ـودان وكفاحه وقهر ومجون الاحتلال، تَشكّل وجدانٌ مقاوم بإرادة فولاذية. ومن “ضع يمينك في يدي” التي جسّدت عقد الثقة بين الفرد والجماعة، إلى “اليوم نرفع راية استقلالنا”، فحوّلت الفرح السياسي إلى نشيد دائم؛ كان الغناء هنا فعلاً مدنياً، وتوقاً مستقبلياً “للقرية الغنّاء للكوخ الموشح بالورود ونسير فوق جماجم الأسياد مرفوعي البنود”. وحتى “يا غريب يلا لبلدك” للعطبراوي، بما فيها من حنين وانكسار، أعادت تعريف الوطن بوصفه بيتاً أخلاقياً لا مجرد حدود.

هؤلاء الشعراء — خليل فرح وصحبه — وهؤلاء الملحنون والفنانون — كرومة، والعطبراوي، ووردي… إلخ — لم يكتبوا ويشدوا للمنصة وحدها؛ كتبوا وتغنوا للزمن القادم. جعلوا من الفن مدرسة للاستقلال، ومن الذائقة العامة حصناً ضد الاستلاب والتبعية.

واليوم، ونحن نرزح تحت حـ.ـربٍ تُبدّد معنى الاستقلال، وتفرط في مضامينه، وتستنزف الإنسان والمقدرات، أحوج ما نكون إلى استعادة ذلك الدرس: أن الاستقلال الحقيقي مسيرة لا ذكرى؛ مسيرة قوامها مدنية الحكم، استدامة الديمقراطية والتعددية، وسـ.ـلامٌ عادل، وتنميةٌ متوازنة تُنصف الجميع، ووحدةٌ تُحصن بمحبة التنوع لا بالكراهية، وبالعدالة الاجتماعية، وبسيادة حكم القانون، وبعدم الإفلات من المساءلة والعقاب.

فلنُصغِ من جديد لصوت الفن، لا ليُخدّرنا، بل ليفجر وعينا وطاقاتنا، وليقودنا — بحكمة — نحو وطنٍ يستحق أن يُغنّى له، وينعم شعبه بالأمن والاستقرار والرفاه، يفدي بالمهج والأرواح، “وأعمدته هاماتنا”.

#ملف_الهدف_الثقافي #الاستقلال_70 #الفن_والمقاومة #ثقافة_سـ.ـودانية #أدب_الاستقلال

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.