سبعون عاماً على استقلال الســودان.. المضامين الغائبة الحاضرة

صحيفة الهدف

محمد الأمين أبو زيد

يُعدّ المضمون الثقافي للاستقلال في السـ.ـودان أحد أهم الأبعاد التي رافقت حدث الاستقلال منذ عام 1956، إذ لم يكن مجرد انتقال سياسي من حكم المستعمر إلى حكم وطني، بل مثّل لحظة إعادة تعريف للذات السـ.ـودانية الجمعية بكل مكوناتها الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

فجّر حدث الاستقلال سؤالاً ثقافياً عميقاً: من نحن كسـ.ـودانيين؟ هل السـ.ـودان عربي أم إفريقي، أم مزيج حضاري بين العروبة والإفريقية؟ هذا السؤال أصبح سمة ملازمة للخطاب السياسي والفكري والثقافي، وفي الأدب والشعر والحياة اليومية، ولم يُحسم بعد، بل تعقّد وحمل معه محمولات قبلية وجهوية ودينية، عقدت المشهد السـ.ـوداني، وجعلت من الاستقلال، كمشروع ثقافي وفكري، مشروعاً غير مكتمل المضامين.

تبنّى السـ.ـودان بعد الاستقلال اللغة العربية لغةً رسمية للتعليم والإدارة، لكن هذا التوجه رافقه قصورٌ في تهميش الثقافات الأخرى وعدم الاعتناء بتنميتها، وفقدان القدرة على إدارة التنوع في إطار الوحدة، ما نتج عنه توتر ثقافي ساهم لاحقاً في الانقسامات الوطنية. لعب الأدب دوراً مركزياً في تشكيل الوعي الوطني والقلق الوجودي الباحث عن هوية سـ.ـودانية، وبرزت الأغنية الوطنية كأداة لتوحيد المشاعر وبناء الذاكرة الجمعية. وفي جانب آخر، ظل الاستعمار الثقافي حاضراً في أنماط التفكير لدى النخب ومناهج التعليم. إن غياب مشروع ثقافي وطني جامع، كجزء من مشروع نهوض وطني شامل يقوم على توافق دستوري، أدى إلى هشاشة الهوية الوطنية، وصراعات ثقافية وإثنية، وفشل الدولة في إدارة وتمثيل تنوعها.

لم يكن الاستقلال في السـ.ـودان نهاية مرحلة، بل بداية صراع ثقافي طويل بين الوحدة والتنوع، والتراث والحداثة، والدين كقيمة ثقافية وحضارية، والدين كأيديولوجيا. وهو صراع لا يزال مفتوحاً، عمّقته ووسّعت شروخه الحـ.ـرب القائمة الآن، التي أخرجت أثقاله وإسقاطاته المتعددة.

لعبت الرموز الفكرية والثقافية دوراً محورياً في استقلال السـ.ـودان، إذ أسهمت في تشكيل الوعي الوطني، وتعبئة الجماهير، وصياغة خطاب التحرر، ومثّلت أصواتاً فكرية نقدية للاستعمار والاستبداد، وأرست خطاباً يربط الاستقلال بالحرية الفكرية والعدالة الاجتماعية وتحرير الإنسان من قيود الجهل والتخلف. فعلى صعيد الفكر برز محمود محمد طه، وعلى صعيد الوعي والصحافة عرفات محمد عبد الله، وفي النقد والأدب معاوية محمد نور. ومن الشعراء وصُنّاع الوجدان الوطني محمد المهدي المجذوب، الذي صاغ رؤية ثقافية للهوية السـ.ـودانية، والتجاني يوسف بشير رمز النهضة الشعرية والحس الجمالي المرتبط بالتحرر والكرامة. ومن علماء اللغة برز المثقف الموسوعي الدكتور عبد الله الطيب، الذي ربط اللغة العربية بالخصوصية السـ.ـودانية وأسهم في بناء الاستقلال الثقافي عبر التعليم. ومن الرموز الفنية والمجتمعية سرور وخليل فرح، الذي أصبح أيقونة للاستقلال عبر أغنيته (عزة في هواك)، مجسداً الفن بوصفه وسيلة مقـ.ـاومة ثقافية.

كان مؤتمر الخريجين مشروعاً ثقافياً بامتياز، رغم طابعه السياسي، إذ مثّل ميلاد النخبة الوطنية المثقفة، ومن داخله برزت المدارس والتيارات الفكرية والأدبية التي شكّلت جسراً بين الوعي الشعبي والنضال السياسي، لاستقلالٍ لم تصنعه البنادق، بل صنعته الكلمة، والأغنية، والفكرة، والرمز الثقافي.

#ملف_الهدف_الثقافي #الاستقلال_70 #محمد_الأمين_أبو_زيد #الهوية_السـ.ـودانية #ثقافة #السـ.ـودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.