البلبوسي: صوت التفاهة حين تتحالف مع الخراب

صحيفة الهدف

د. جمال الجاك

في الأزمنة المفصلية، لا تصنع المآسي وحدها سقوط الأوطان، بل يشاركها في الجريمة أولئك الذين يبرّرونها، يلمّعونها، أو يصرخون دفاعاً عنها بوعي زائف وضمير ميت. وفي المشهد السـ.ـوداني الراهن، حيث تتساقط المدن ويُدفن الناس أحياءً تحت أنقاض الحـ.ـرب، يبرز البلبوسي كنموذج فجّ لشخصية اختارت أن تكون بوقاً رخيصاً للكيزان بدل أن تكون إنساناً منحازاً للحياة.

أولاً: حين يغيب العقل ويتقدّم القطيع: البلبوسي لا يمكن قراءته كحالة فكرية، ولا حتى كخصم سياسي محترم، بل كـ “كائن خطابي تابع”، يعيش على إعادة تدوير ما يقوله الكيزان دون أدنى جهد للفهم أو التحليل. هو ليس صاحب موقف، بل ظلّ لموقف غيره. ليس صاحب فكرة، بل مجرّد صدى أجوف. كل ما يصدر عنه يؤكد أنه فاقد للبوصلة الفكرية، مسلوب الإرادة، يتحرك بردّ الفعل لا بالفعل، ويقف حيث يُطلب منه أن يقف، ويهاجم حيث يُؤمَر بالهجوم. هذه ليست سياسة، بل تبعية مهينة.

ثانياً: خطاب الكيزان.. لكن بلا ذكاء: إذا كان للكيزان تاريخ طويل في المراوغة والالتفاف والخداع السياسي، فإن البلبوسي يمثّل نسختهم الأكثر فقراً وابتذالاً. لا دهاء، لا حنكة، لا حتى قدرة على التمويه. خطابه مكشوف، فجّ، مباشر، يفيض بالكراهية، ويعاني من ضحالة تحليلية مخجلة. يخلط بين المفاهيم، يسيء استخدام المصطلحات، ويظن أن رفع الصوت يمكن أن يعوّض غياب الفكرة. لكنه لا ينتج إلا ضجيجاً بلا معنى، يخدم خصومه أكثر مما يخدم من يتبعهم.

ثالثاً: التخوين كسلاح العاجز: حين يعجز العقل عن إنتاج الحجة، يلجأ صاحبه إلى الشتيمة والتخوين. وهذا بالضبط ما يفعله البلبوسي مع كل من يخالفه الرأي. الثوار عملاء، الرافضون للحـ.ـرب مرتزقة، الناقدون خونة. هذا السلوك لا يعكس قوة، بل إفلاساً أخلاقياً وفكرياً. فمن يملك قضية حقيقية لا يخشى النقاش، أما من يقف على أرض مهزوزة فيحتاج إلى تخوين الجميع ليقنع نفسه أنه ما زال واقفاً.

رابعاً: العداء للثورة والارتماء في حضن الحـ.ـرب: الأخطر في خطاب البلبوسي ليس جهله، بل عداؤه الصريح لكل ما يمت للثورة بصلة. هو يرى في مطالب الحرية تهديداً، وفي صوت الشارع فوضى، وفي إيقاف الحـ.ـرب خيانة. يدافع عن استمرار الحـ.ـرب وكأنها مشروع خلاص، بينما هي في حقيقتها محرقة وطنية لا رابح فيها إلا تجّار الدم، ومن يطمعون في الفتات المتساقط من موائد السلطة القديمة. إن دعم الحـ.ـرب، في هذا السياق، ليس رأياً سياسياً، بل موقفاً لا أخلاقياً، وانحيازاً واضحاً ضد الشعب وضد الحياة.

خامساً: منبوذ الشارع… وطامع في رضا السادة: البلبوسي لا يمتلك حاضنة شعبية حقيقية، ولا احتراماً اجتماعياً، ولا تأثيراً إيجابياً يُذكر. هو منبوذ لأن خطابه منبوذ، ومعزول لأن مواقفه معزولة عن وجدان الناس. ومع ذلك، يواصل السعي المحموم لنيل رضا الكيزان، علّه يجد لنفسه موطئ قدم في ركامهم، أو اسماً في هامش مشروعهم المنهار. إنها سياسة التوسّل، لا النضال. وسياسة الأبواب الخلفية، لا المواجهة الشريفة.

خاتمة: لا مكان للتفاهة في معركة الوعي: البلبوسي ليس خطراً بذاته، بل بما يمثّله: إعادة إنتاج الرداءة، وتطبيع الخضوع، وتبرير الخراب. والثورة، إن أرادت أن تنتصر، لا بد أن تُسقط هذه الأصوات، لا بالقمع، بل بالفضح، والتعرية، وكشف خواء الخطاب. فالسـ.ـودان الذي نحلم به لا يتسع لأبواق الكيزان، ولا لنسخهم المشوّهة، ولا لمن يرقصون على دماء الناس طمعاً في فتات السلطة. الثورة ليست حياداً، والصمت ليس حكمة، ومواجهة التفاهة واجب.

 #ملف_الهدف_الثقافي #معركة_الوعي #الثورة_مستمرة #كشف_الأبواق #لا_للحـ.ـرب

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.