من الخرطوم إلى العالم: ثقافة الشتات.. حين تصبح المنافي “رئة” بديلة للهوية السـ.ـودانية

صحيفة الهدف

تقرير: عبدالمنعم مختار

منذ أن أوقدت الحـ.ـرب نيرانها، لم يستسلم الصوت الثقافي السـ.ـوداني للانكسار أو الانكفاء على الجراح، بل انطلق صامداً نحو المنافي، حاملاً في حقائب الاغتراب ذاكرة الوطن وأسئلته الوجودية، محولاً غُربة المنفى من “رصيف للانتظار” إلى “فضاءٍ شاسع للإنتاج”. فمن حواري القاهرة إلى ضفاف نيروبي وكمبالا ودبي، وصولاً إلى حواضر أوروبا وأمريكا وأستراليا، تصاعد ضجيج المبدعين في تدشينات الكتب، والندوات الفكرية، والليالي الشعرية، والمعارض التشكيلية؛ لتغدو الثقافة السـ.ـودانية أداةً لاستعادة الذات، وبناء سردية وطنية عصية على التنميط، تتجاوز في عمقها حدود النشرات الإخبارية.

في هذا السياق المتفجر بالإبداع، وضعت “الهدف” سؤالين جوهريين أمام عدد من الفاعلين وصنّاع هذا الحراك: هل ما نشهده اليوم هو امتداد لفرضية «الخرطوم تقرأ» بآفاق عالمية؟ وهل يجسد هذا الزخم وعياً مستداماً بالمقـ.ـاومة وحفظ الذاكرة، أم هو مجرد استجابة ظرفية لواقع اللجوء؟

حراك تفرضه الضرورة وتحرصه الذاكرة

يحلل الأستاذ أسامة بوب، مدير معهد فيجن للتدريب والتنمية المستدامة بالقاهرة، هذا المشهد مؤكداً في حديثه لـ”ملف الهدف الثقافي” أن اللجوء — لا سيما إلى مصر — أطلق حراكاً مميزاً، ساعدت عليه سهولة الطباعة وتراجع تكلفتها، إضافة إلى أثر الحـ.ـرب في تحريض الذاكرة الإبداعية لدى الكُتّاب والموثّقين. غير أن بوب يضع شرطاً جوهرياً لاستمرارية هذا التدفق، مشيراً إلى أن تحول هذا الزخم إلى فعل مستدام يشترط وجود حكومة وطنية تؤمن بدور الثقافة في إحداث التغيير المجتمعي.

تفكيك المركز.. من الشرعية إلى العالمية

من جانبه، يقرأ المهندس كمال باشري، الكاتب والمثقف والمتابع اللصيق لفعاليات القاهرة في حديثه لـ”الملف”، المشهد من زاوية مغايرة، واصفاً إياه بـ “تفكك المركز الثقافي” وانتقاله البيئي الواعي. ويرى باشري أنه بعد أن كانت الخرطوم هي منصة الشرعية الوحيدة، تحرر الفعل الثقافي وانتقل إلى عواصم العالم، حيث احتك بالآخر، وجوّد أدواته، واتسعت جرأته في مساءلة الهوية والسياسة. ويضيف محذراً وموثقاً أن استهداف المتاحف والجامعات والمكتبات أطلق وعياً جمعياً بضرورة الأرشفة الثقافية في المنافي، لتتحول الفعاليات من ترفيه إلى توثيق يؤسس لما بعد الحـ.ـرب.

تجارب حية في قلب اللجوء

وفي يوغندا، تتجسد المقـ.ـاومة الثقافية في تجربة عملية يقودها المبدع عوض مشاوي، صاحب “مركز مشاوي”، الذي استطاع خلق منبر لِلَمّ شتات الوطن اجتماعياً وثقافياً. ويوضح مشاوي في حديث لـ”ثقافي الهدف” أن مركزه يوفّر بيئة للإبداع في “كرياندنقو”، تعمل على تخفيف صدمات اللجوء، وتحفظ «ذاكرة الوطن الجميلة»، مع الحرص على إيصال صوت اللاجئين إلى العالم عبر المنصات الإعلامية.

إعادة بناء الوجدان السـ.ـوداني

وفي ذات الاتجاه، يشدد الأستاذ طارق عبد الجليل –المواظب على “منتدى السـ.ـودانيين الثقافي” بالإسكندريةفي حديثه لـ”ملف الهدف الثقافي”،  على الدور البنائي لهذا الحراك، مؤكداً أن الحركة الثقافية تسهم في إعادة بناء السـ.ـودان بعد الحـ.ـرب، عبر حفظ الهوية، ودعم النازحين نفسياً وثقافياً، وتعزيز الحوار والوحدة الوطنية، لتغدو مقولة «الخرطوم تقرأ» قراءة وإبداعاً ومقـ.ـاومة.

إن ما نلحظه اليوم هو تشكّل «سـ.ـودان موازٍ» ينمو في الفضاءات العالمية؛ ليكون بمثابة “الرئة” التي يتنفس بها الجسد المنهك، والضمانة الوجودية الأكيدة ألا تذوب الشخصية السـ.ـودانية أو تتماهى في عوالم اللجوء والشتات.

#ملف_الهدف_الثقافي #حراك_ثقافي #السـ.ـودان #المنفى #الخرطوم_تقرأ #توثيق #أدب_اللجوء

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.