“الإعدام”، كان لحظةً كاشفة في مسار الصراع بين التوجه القومي السيادي التحرري وبين قوى الاستعمار والهيمنة حول إرادة المنطقة ورسم وظيفتها وتحديد دورها
لم تكن واقعة إعدام صدام حسين حدثًا معزولًا عن سياقه، ولا يمكن فهمها بوصفها تصفيةً لشخص أو نهايةَ نظامٍ سياسي فحسب. ما جرى كان لحظةً كاشفة في مسار الصراع على إرادة المنطقة ووظيفتها ودورها. فقد جاء الإعدام بعد احتلالٍ عسكري -حشد له كما لم يسبق أن حشد لمثله في التاريخ- ، وفي ظل اختلالٍ كامل لموازين القوة، ليؤدي وظيفة رمزية تتجاوز الرجل إلى ما يمثله من فكرة الدولة المستقلة ورفض الخضوع.
صدام حسين، سواء اتُّفق معه أو اختُلِف، كان تعبيرًا عن نموذج سياسي عربي سعى إلى القرار السيادي وربط الداخل الوطني بالسياق القومي. لهذا لم يكن المطلوب إسقاط نظامه فقط، بل كسر المثال الذي يجسده: دولة تملك قرارها، وتُخطئ أو تُصيب من داخل منطق الاستقلال لا الوصاية. من هنا يصبح الإعدام رسالة سياسية بامتياز، غايتها إغلاق مرحلة وفتح أخرى تقوم على التفكيك، وإعادة تشكيل المنطقة وفق منطق التبعية والتطبيع.
إن قراءة هذه اللحظة بعيدًا عن الانفعال تفرض التمييز بين تقييم التجربة وتفكيك الحدث. فالنقد السياسي لا يلغي دلالة الإعدام، كما أن رفض بعض سياسات الرجل لا يبرر تحويله إلى أداة لإذلال أمة بأكملها. لقد استُخدم المشهد ليُقال للعرب إن زمن الإرادة المستقلة قد انتهى، وإن كلفة الخروج عن المسار المرسوم ستكون كسرًا لا تسوية.
من هنا، لا يستعاد صدام حسين بوصفه فردًا، بل بوصفه علامة على مرحلة من الصراع العربي مع مشاريع الهيمنة. واستحضار تلك اللحظة اليوم ليس حنينًا ولا تمجيدًا، بل محاولة لفهم كيف تُدار المعارك الكبرى، وكيف تُستهدف الرموز حين يُراد إعادة هندسة الوعي، قبل الجغرافيا.
منذ تأميم النفط إلى لحظة السقوط، تشكّلت تجربة صدام حسين حول فكرة مركزية: الدولة القوية ذات القرار المستقل. ويمكن رصد أبرز منجزات هذه المرحلة في ثلاثة مسارات مترابطة: السيادة الاقتصادية، البناء الاجتماعي، وبناء عناصر القوة الاستراتيجية.
أولًا:
تأميم النفط والسيادة الاقتصادية
شكّل تأميم النفط العراقي عام 1972 خطوة حاسمة في فكّ الارتباط بالهيمنة الأجنبية على الموارد الوطنية. لم يكن القرار اقتصاديًا محضًا، بل سياسيًا وسياديًا، أتاح للدولة التحكم في ثروتها الأساسية وتوجيه عائداتها نحو مشاريع التنمية، بدل بقائها أداة نفوذ خارجي. وقد مكّن ذلك العراق، في فترة وجيزة، من امتلاك فائض مالي وقرار مستقل في توظيفه.
ثانيًا:
التعليم ومحو الأمية
استُثمرت عائدات النفط بشكل واسع في التعليم والصحة والبنية الاجتماعية. أُطلقت حملات وطنية شاملة لمحو الأمية، حتى أعلن العراق في أواخر السبعينيات دولة خالية من الأمية وفق تقارير دولية. أصبح التعليم مجانيًا في مختلف مراحله، وتحوّل إلى رافعة للحراك الاجتماعي، مع توسّع غير مسبوق في الجامعات ومراكز التكوين والبحث.
ثالثًا:
بناء الدولة الاجتماعية
شهد العراق في تلك المرحلة توسعًا في الخدمات الأساسية: صحة، إسكان، بنية تحتية، وضمانات اجتماعية. تشكّل نموذج دولة مركزية قوية تُمسك بالاقتصاد وتعيد توزيع الثروة، بما عزّز التماسك الاجتماعي ورسّخ مفهوم المواطنة المرتبط بالدولة لا بالعصبيات.
رابعًا:
مسار بناء القوة العلمية والتكنولوجية
اتجه العراق إلى الاستثمار في البحث العلمي والتقنيات المتقدمة، بما في ذلك الطاقة النووية للأغراض السلمية، والصناعات العسكرية، والقدرات الصاروخية. هذا المسار لم يكن منفصلًا عن الصراع الإقليمي، وقد وُوجه منذ بدايته بعداء مباشر من القوى الغربية وإسرائيل، باعتباره تهديدًا لاختلال ميزان التفوق القائم. تدمير مفاعل تموز عام 1981 كان مؤشرًا مبكرًا على حساسية هذا الخيار.
خامسًا:
الاستقلال السياسي والتموضع الإقليمي
حافظ العراق على خطاب وممارسة سياسية خارج الإصطفافات الغربية، ودعم قضايا التحرر العربي، خاصة القضية الفلسطينية. هذا التموضع، بغضّ النظر عن نتائجه اللاحقة، وضع العراق في موقع الدولة المقلقة للنظام الإقليمي الذي تريده القوى الكبرى: دولًا ضعيفة، مجزأة، بلا قدرة علمية أو عسكرية مستقلة.
بهذا المعنى، لا تُقرأ إنجازات صدام حسين بوصفها سجلًّا مثاليًا بلا أخطاء، بل كتجربة دولة حاولت أن تبني عناصر القوة في محيط معادٍ. وما جرى لاحقًا كان تفكيكًا منهجيًا لتلك العناصر، لأن وجودها بحد ذاته كان يُعدّ خطرًا استراتيجيًا.
صدق فيه وصف القائد المؤسس لفكر البعث، ميشيل عفلق عندما قال عنه : [صدام قائد تاريخي حسم بانتصاراته خيار النهضة العربية فحفظ للأمة شخصيتها وكيانها الموحد وطريقها المستقلّ ] .
في مثل هذا اليوم كان يتم إتمام خيوط التآمر لاغتياله ليكون كغد شهيدا .. اغتياله كان ضرورة ليمروا لجسد الأمة فيلتهموه تعبيدا لطريق التطبيع والهيمنة بكل اشكالها.
*المقال نشر في جريدة الشروق التونسية يوم الثلاثاء ٣٠ كانون الاول/ديسمبر.

Leave a Reply