د. الماحي سليمان
رحم الله الفنان صاحب المشروع الفني الطموح، د. عبد القادر سالم، الذي بفقده فقدت الموسيقى السودانية عَلَمًا من أعلامها البارزة، إذ أسهم فيها بإضافات فنية نوعية، استند فيها إلى مستودع السودان الفلكلوري الذي تكوّن عبر القرون، حيث نهل من ذلك المستودع أنغامًا سودانية أصيلة تمثّل هويتنا الموسيقية بكل خصوصيتها الإفريقية والعربية. لقد فقدنا فنانًا متميزًا، وباحثًا حصيفًا، وأستاذًا متمكنًا، قدّم عصارة فنه وجهده، وترك لنا إرثًا فنيًا ثمينًا لنغمة السودان الخماسية، التي أضاف إليها أبعادًا تراثية ومصطلحات جديدة لقاموس الموسيقى، من خلال إنتاجه الغنائي الذي حقق نجاحًا غير مسبوق في ذائقة المتلقي السوداني، بل في الذائقة الموسيقية العالمية العريضة؛ فقد كان سفيرًا للأغنية السودانية، نشرها في معظم قارات العالم. وقد وجد إنتاج الفنان عبد القادر سالم اهتمامًا كبيرًا من المؤسسات الثقافية والأفراد، حيث نشطت المحاضرات والندوات والورش الفنية ضمن مهرجانات الثقافة ومهرجانات الموسيقى الشعبية.
في الجانب النظري: نجد أن الفنان عبد القادر سالم ألّف مجموعة من الأسفار المهمة، إضافة إلى رسائله العلمية لدرجتي الماجستير والدكتوراه، والتي جاءت جميعها في مجال الغناء الشعبي، مستفيدًا من دراساته في علوم الموسيقى (Musicology)، وعلم موسيقى الشعوب (Ethnomusicology) كما نجد أن مشروع الفنان عبد القادر سالم شجّع بعض الفرق والمجموعات الغنائية على الاهتمام بعملية تقويم بعض الأغنيات الشعبية التراثية، مثل (عقد الجلاد)، (السمندل)، و(كورال كلية الموسيقى). وقد انتقلت تجربته إلى بعض أقاليم السودان، فتكوّنت بها فرق غنائية شعبية، وكذلك إلى المجاميع الكورالية في معظم الجامعات السودانية، وإلى الفرقة القومية للآلات الشعبية.
الجانب التطبيقي: استطاع الفنان عبد القادر سالم، من خلال أعماله الغنائية التراثية، إضافة الكثير من المصطلحات والمفردات الفنية الجديدة، ومنها:
1/ ظهر مصطلح الأغنية الكردفانية التراثية.
2/ ظهرت في أعماله السلالم الخماسية والسداسية، ونغمة (السيكا) العربية، التي وجدناها في أغنية (جيناكي زي وزيين) في مقام (البياتي)، و(اللوري حل بي) في مقام (الرست)، كما وجدنا في أغنيات أخرى مقام (الكرد) ومقام (النهاوند)، وهو ما يؤكد التأثير العربي في الموسيقى السودانية.
3/ استخدم أساليب الارتجال العفوي غنائيًا، والتنويع آليًا (Variation + Improvisation).
4/ اهتم بالأداء التعبيري، والرقص، والأكسسوارات في المجاميع المصاحبة له.
5/ اهتم بالتنويع الإيقاعي، حيث نجد المردوم، والجراري، والهسيس، والجرداق، والفرنقبية.. إلخ، كما استخدم الأوزان الثنائية والثلاثية والرباعية والعرجاء، وكذلك الإيقاعات المزدوجة (Polyrhythm) والمتقاطعة (Cross-rhythm).
6/ أبرزت تجربته أيضًا المكوّن الإفريقي الإيقاعي السريع، إضافة إلى التعبير الحركي والرقص.
7/ استخدم أساليب الآهات والهمهمات.
8/ عمّقت تجربته الإحساس بالروح الجماعية، وساهمت في إبراز المشتركات الفنية والثقافية بين مجتمعات القبائل المختلفة.
9/ اهتم كذلك بالنزعة التجديدية القومية في الموسيقى، التي ظهرت في العصر الرومانتيكي خلال القرن الثامن عشر (Nationalization)، والتي دعت إلى الحداثة عبر الاستلهام من الموروث، لا عبر ترك التراث والاتجاه إلى حداثة منقطعة الجذور.
خاتمة: بهذه المفاهيم، يُعدّ الفنان عبد القادر سالم من الرواد الذين اهتموا بقومية الموسيقى السودانية، والتي انتقلت إلى عدد كبير من المبدعين السودانيين، خاصة طلاب كلية الموسيقى، في أبحاثهم لمشروعات التخرج، ولدرجتي الماجستير والدكتوراه، التي أشرف على عددٍ منها. التحية أيضًا لكل المبدعين الذين جايلوا الفنان الراحل عبد القادر سالم، من الخرطوم، وكردفان، ودارفور، والنيل الأزرق، ومن ولايات أخرى، وهم يقدمون هذه النغمية الجديدة التي أضافت منهجًا وتذوقًا جديدين للموسيقى السودانية. وداعًا الفنان، والأستاذ، والدكتور عبد القادر سالم، وإلى جنات الخلد.
#ملف_الهدف_الثقافي #عبدالقادر_سالم #الموسيقى_السودانية #الماحي_سليمان

Leave a Reply