السودان.. أرض الفرص المهدرة والإمكانات الضائعة

صحيفة الهدف

مجدي علي

لا يُعد السودان بلداً فقيراً كما يُصوَّر في الخطاب السياسي والإعلامي، بل دولة غنية بالموارد والإمكانات الاقتصادية. غير أن سوء الإدارة، ثم الـ ح.رب المستمرة منذ عام 2023، عمّقا أزمة اقتصادية خانقة، وحوّلا الاقتصاد من أداة للتنمية إلى وقود للصراع، في مفارقة صارخة مع دول نهضت بإمكانات أقل.

يمتلك السودان ثروات طبيعية هائلة تشمل الذهب والنفط والمعادن النادرة والأراضي الزراعية الواسعة، ما يؤهله ليكون قوة اقتصادية إقليمية. إلا أن هذه الموارد لم تُستثمر لصالح الدولة والمجتمع، بل جرى توظيفها ضمن اقتصاد ح.رب غير رسمي، عابر للحدود، يموّل النزاع ويقوّض الاستقرار.

ويُعد قطاع الذهب أبرز مظاهر هذا التحول، إذ أصبح العمود الفقري لاقتصاد الـ ح.رب، خاصة في دارفور وكردفان، حيث تسيطر أطراف النزاع على المناجم. وتشير التقديرات إلى تهريب نحو 80% من الإنتاج إلى الخارج، بعيداً عن القنوات الرسمية. ووفق تقديرات أممية، بلغ إنتاج مناجم دارفور وحدها نحو 860 مليون دولار خلال عام 2024، ذهب معظمها لتمويل العمليات العسكرية بدلاً من دعم الخزينة العامة.

ويترتب على هذا الواقع تآكل خطير في الإيرادات العامة، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات التضخم والفقر، مع انهيار الخدمات الأساسية. كما فقد السودان ثقة المستثمرين الإقليميين والدوليين، في ظل غياب الاستقرار وغياب دولة القانون.

ولا يقتصر الأمر على الذهب، فالسودان يمتلك احتياطيات معتبرة من النحاس واليورانيوم والحديد والكروم والمنغنيز والمعادن الأرضية النادرة، وهي موارد تحظى بطلب عالمي متزايد. غير أن غياب الأمن واستمرار الـ ح.رب جعلا هذه الثروات معطّلة أو واقعة تحت سيطرة مجموعات مسلحة، في مشهد يعكس فشلاً سياسياً ومؤسسياً واضحاً.

ومنذ انفصال جنوب السودان عام 2011، فقدت الخرطوم معظم إنتاجها النفطي، ما دفعها للاعتماد على الذهب كمصدر رئيسي للنقد الأجنبي. ورغم إنتاج نفطي يُقدّر بنحو 135 ألف برميل يومياً، لا يزال غير كافٍ لسد العجز المالي، بينما تواجه خطط رفع الإنتاج بحلول 2030 تحديات أمنية كبيرة.

أما القطاع الزراعي، الذي يعتمد عليه أكثر من 60% من السكان ويمتد على 16.9 مليون هكتار، فيبقى قطاعاً مهملاً رغم إمكاناته الضخمة في المحاصيل الاستراتيجية والصمغ العربي. وينطبق الأمر ذاته على الثروة الحيوانية والسمكية والقطاع الصناعي المتعثر.

الخلاصة: إن السودان لا يعاني من نقص الموارد، بل من استمرار الـ ح.رب وسوء الإدارة. فوقف الصراع وبناء مؤسسات قادرة على إدارة الموارد بشفافية لم يعد خياراً سياسياً، بل شرطاً أساسياً لبقاء الدولة والتنمية. ويظل الرهان الحقيقي على وعي النخب السياسية بأن السلام ليس مطلباً أخلاقياً فحسب، بل شرط اقتصادي حاسم. فبدون استقرار سياسي وأمني، ستبقى ثروات السودان رهينة الصراع، وستتآكل فرص النهوض جيلاً بعد جيل.

#ملف_الهدف_الاقتصادي #السودان #اقتصاد_الحرب #موارد_السودان #الذهب #النفط #التضخم #الفقر #السيادة_الوطنية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.