سمية الطيب
ليست المرأة السودانية ظلاً في تاريخ هذا البلد، ولا تابعاً في مسيرته السياسية والاجتماعية، بل كانت دوماً في القلب من الفعل الوطني، شريكة في صناعة الوعي، وحارسة للقيم، وفاعلة في لحظات التحوّل الكبرى. فمنذ كنداكات مروي، حيث اقترنت السلطة بالحكمة والشجاعة، مروراً بعهد المهدية، وصولاً إلى معارك الاستقلال وثورات العصر الحديث، ظل حضور المرأة السودانية علامة فارقة في تاريخ النضال العام.
في بنية المجتمع الأولى، الأسرة، أدّت المرأة دورها المحوري بوصفها أمّاً ومربّية وحاملة للذاكرة الأخلاقية للجماعة. لم يكن دورها محصوراً في الرعاية، بل امتد إلى العمل والإنتاج، في الزراعة والتجارة والحِرف والتعليم، وإلى النشاط الاجتماعي الذي واجه الأمية، وحارب العادات الضارة، وعزّز قيم التكافل والتعايش، خصوصاً في الأرياف حيث تتشكّل الروح العميقة للسودان.
سياسياً، لم تتأخر المرأة السودانية عن ساحات الفعل. كانت حاضرة في الحركة الوطنية، وبلغت البرلمان في وقت مبكر قياساً بمحيطها الإقليمي، وشاركت في ثورة أكتوبر 1964، وانتفاضة أبريل 1985، وثورة ديسمبر 2018، لا بوصفها تابعاً أو مكمّلاً، بل كقائدة ومنظمة ومضحّية. ويكفي أن نستحضر سيرة حواء الطقطاقة، “أم الاستقلال”، التي جعلت من الجسد منبراً ومن الأغنية سـ.لاحاً، ولبست علم السودان ثوباً وهي تشهد إنزال راية الحكم الثنائي، لتصبح رمزاً للنضال الشعبي والكرامة الوطنية.
في ساحات الاعتصام، وفي خطوط الإسعاف الأولي، وفي تنظيم الحركات النسوية، أثبتت المرأة السودانية أن النضال ليس شعاراً، بل ممارسة يومية، وأن الوطنية تُقاس بالفعل لا بالخطابة. واليوم، في مواجهة الحـ.رب والخراب والنزوح والفقر، تعود المرأة لتقف في الصفوف الأولى، مطالبة بوقف الحـ.رب، وحماية المجتمع، وصون ما تبقّى من حلم الدولة.
إن قوة المرأة السودانية تكمن في صبرها وعزّتها، في رفضها للظلم والمهانة، وفي قدرتها على الصمود حين تتهاوى البنى من حولها. وهي، في كل ذلك، لا تخوض صراعاً مع الرجل، بل مع قوى التخلف والرجعية التي عطّلت تطور المجتمع وأهدرت طاقاته.
فالمرأة نصف المجتمع، بل روحه الحيّة، ولا يكتمل نضال ولا تُنال حقوق، ولا تُبنى دولة، من دون مشاركتها الكاملة. إن معركة السودان الحقيقية ليست بين النساء والرجال، بل بين قوى التقدم التي تؤمن بالحرية والعدالة، وقوى الردّة التي تخشى الوعي وتخاصم المستقبل. وحين تنتصر الأولى، تنتصر حواء… وينهض الوطن.
#ملف_المرأة_والمجتمع #الوطن #كنداكات #نضال_المرأة #السودان

Leave a Reply