حسن خليل غريب
تنقسم الأيديولوجيات المؤثرة في المجتمع العربي إلى ثلاثة تيارات رئيسية، التيار القومي العربي وقاعدته الفكرية بناء دولة قومية ذات أبعاد إنسانية، في مواجهة تيارين أممين، ينظران بعين العداء للمفهوم القومي العربي، وهما تيار ديني سياسي، يعمل من أجل بناء دولة إسلامية عالمية. وتيار أممي ماركسي يتجاوز المفهوم القومي من أجل بناء دولة عالمية على أسس وضعية. وهذا ما يشكل خطورة على المسألة القومية العربية.
وإذا كنا لن نقف طويلاً أمام عامليْ الأصولية الأممية الماركسية، والنزعة الإمبراطورية الأميركية، فلأن الأولى تتوافق مع المشروع القومي بعدد من الأهداف ومن أهمها بناء دولة مدنية ديموقراطية تستمد شرعيتها من الشعب، وترفض قيام دولة دينية تزعم أنها تستمد شرعيتها من القوانين الإلهية. وأما الثانية فينحصر تأثيرها على النخب الحاكمة كمجموعة من رجال الأعمال التي تهتم فقط بمصالحها الاقتصادية الفئوية. وهي لا تستطيع أن تؤثر على البنية الثقافية الشعبية، لأنها معادية بالأساس للمصالح الشعبية. لهذا السبب سنعطي الأولوية للبحث في قضية الحركات الدينية السياسية.
الحركات الدينية السياسية، في مواجهة دائمة مع الحركة القومية العربية:
تختلف الحركات الدينية السياسية مع التيارات القومية، بالأهداف المستقبلية. لأنها تقف في موقع النقيض احيانا مع الأهداف القومية أولاً، وتستمد قوتها من أن الثقافة الشعبية للأغلبية من المجتمع العربي تنطلق أساساً من الثقافة الدينية الإسلامية ثانياً، وأكثرها خطورة هو تعميم الثقافة الطائفية ثالثاً.
ونتيجة لهذا الواقع تتعدد أهداف الحركات الدينية السياسية بتعدد فرقها وطوائفها واجتهاداتها الدينية التي يناقض البعض منها البعض الآخر، وتجعل تلك الفرق على حافة التكفير والتكفير المضاد، فالاقتتال الديني – الديني، يضع الأمة العربية أمام مخاطر تفتيتها إلى دويلات دينية. وهذا يتناقض مع وحدة الامة العربية.
على الرغم من صعوبته يشكل الحوار أقصر الطرق للجوامع الوحدوية المشتركة:
ونحن إذا وقفنا أمام هذه الإشكالية، واحتلَّت موقع الاهتمام الأول، فليس لأنها الإشكالية الوحيدة، بل هي أكثرها خطورة على المستقبل القومي العربي.
لهذا السبب ولأن منابت الثقافة الشعبية العربية ذات أعماق وسقوف دينية متأثِّرة بتعصبية مذهبية. وللحيلولة دون الاصطدام بها، أن تعمل الحركات القومية العربية على تقريب وجهات النظر مع رجال الدين المتنورين، على أسس من الحوار وليس على أسس من الصراع.
إن شروط نجاح الحوار تتطلب من الطرف القومي المحاور، أن تكون عنده حدود الفكر القومي وآفاقه واضحة وجريئة، لأن الجلوس إلى طاولة حوار مع الآخرين من دون وضوح في بدائل ثقافة التعصب الديني من جهة، ووضوح أهداف الطرف الآخر من جهة أخرى. وبالتالي سيؤدي إلى وضع المحاوِر القومي في موقع الضعف أمام آخر متمكِّن من فهم خياراته، تساعده بيئة ثقافية واسعة قادرة على تقوية مواقعه.
الا ان هذه الثقة والصلابة يجب ان تتسم بالحكمة والوعي والتروي والصبر عند الترويج لهذا الفكر خاصة بين الجماهير. ذلك لان الجماهير هي الغاية والوسيلة في النضال القومي. فخدمتها هي الغاية، وتسليحها بالثقافة والوعي لكي تكون هي نفسها وسيلة التغيير والنهضة. لذا فعلى من يتولى ذلك ان يكون
مدركا لطبيعة بعض الجوانب السلبية في الثقافة الشعبية، ومهيـأ مسبقا للتعامل معها وبذلك يتجنب الاصطدام بالثقافة الشعبية من دون التنازل عن الثوابت
القومية ثانياً، وشرط ذلك أن لا يكون مسكوناً بهاجس اختيار الأسلوب الأسهل الذي يسمح له بالكسب الجماهيري على حساب المبادئ ثالثاً.
النظرية القومية نتاج فكري سياسي أوروبي حديث لمواجهة ديكتاتورية الدولة الدينية
يجب التمييز بداية بين القومية التي هي نزعة اجتماعية ترافقت مع وجود الأسرة القديمة، وبين النظرية القومية كنتاج فكري حديث، فالثانية لم تكن سبباً للأولى، بل جاءت لتحديثها والتعبير عنها بأسلوب علمي. ولهذا السبب تُنسب النظرية القومية للفكر الأوروبي. وهي جاءت لمواجهة الدولة الدينية التي قادتها الكنيسة بتعسف وديكتاتورية باعتبارها تمثل الإرادة الإلهية على الأرض.
وهنا، يُطرح السؤال: هل الدولة الدينية ديكتاتورية بالفعل؟
ان مجرد تقديس النص، يعني وجود عامل الإلزام من دون نقاش، بل من المحرمات أن يخضع النص للمناقشة، وفي هكذا حال يغيب حق الرأي الآخر في الإفصاح عن نفسه، وبغيابه تغيب الحرية الفردية والجماعية، وهذا يعني غياب للديموقراطية، وفي غيابها استحضار للديكتاتورية.
وتتمثَّل ديكتاتورية الدولة الدينية، بما يلي: السلطة الدينية الحاكمة تزعم أنها تستمد سلطاتها من الله تعالى. وإن تشريعاتها هي ذات مصدر إلهي، وتعديلها محرَّم.
ولكن هناك أسباب تبرهن على بطلان تلك المزاعم، ومن أهمها، التخفي وراء مصطلح (الاجتهاد) للبرهان على تطوير الشرائع والتجديد فيها. ولكن النص الإلهي لا يجوز الاجتهاد فيه. والاجتهاد كما أنه نتاج بشري لأن المؤسسات الدينية المذهبية تتناقض باجتهاداتها، وهذا بدوره يبقى إشكالية خلافية بين المذاهب الدينية نفسها من جهة، ومن جهة أخرى غياب العدالة بين المنتمين لمذهب الدولة الدينية الحاكمة، المنتمين إلى مذاهب أخرى حتى داخل الدين الواحد.
تلك الأسباب، كلها أو بعضها، أدَّت إلى ابتكار نظرية الفكر القومي في أوروبا وذلك لتلبية حاجة المجتمعات الأوروبية على مواجهة عالمية الكنيسة التي كانت، تحت شعار توحيد العالم المسيحي، تبتز المجتمعات الخاضعة لسلطتها، وتفرض عليها قوانينها وتشريعاتها وتجمع الضرائب تحت مسميات الواجبات الدينية للفرد
تجاه المؤسسة التي تمثل الله على الأرض، من دون أن تتلقى تلك المجتمعات مردوداً اجتماعياً، أو فائدة حياتية.
لقد انطلقت الدعوة إلى القومية أولاً من المجتمعات الأوروبية التي وعت حقيقة الأمر، ولم تر تلك الدعوات خلاصاً من سلطة عالمية الكنيسة وأمميتها إلاَّ من خلال الدعوة إلى القومية، ورفض سلطة الكنيسة العالمية.
ومن بعد تلك المرحلة، واستجابة لواقع التعدديات الدينية والمذهبية في أوروبا، توسَّع الفكر الغربي في وضع أسس لنظام سياسي تقوم دعائمه على مبادئ مدنية تستجيب لتطورات العصر وتتفاعل معه تفاعلا حياً كما وتستجيب لمصالح كل التعدديات الدينية حيثما وُجِدت فساهمت في وحدة المجتمعات الاوربية.
الدولة المدنية : حارسة الحرية الدينية لا نقيضها
ان الدولة المدنية (العلمانية) ليست سيفًا مسلطًا على الإيمان، ولا مرادفًا للإلحاد كما يروّج خصومها، بل هي إطار مدني يضمن أن تبقى الحرية الدينية مصونة من التسييس والتوظيف الفئوي. إن اتهامها بالعداء للدين أو إسقاط أحكام التكفير عليها ليس سوى مغالطة تاريخية، لأن جوهرها يقوم على حماية حق الإنسان في الاعتقاد وممارسة شعائره دون خوف أو تمييز.
فالتمييز ضروري بين تشريعات مدنية تحفظ وحدة المجتمع وتواكب العصر، وبين الحاجة إلى الإيمان الديني لترسيخ القيم الإنسانية العليا وصون الأخلاق العامة، إضافة إلى كونه استجابة طبيعية لنزعة الإنسان في البحث عن معنى الكون ومصيره بعد الموت. بهذا المعنى، الدولة المدنية لا تلغي الدين، بل تحميه من أن يتحول إلى أداة صراع سياسي، وتفتح أمامه فضاءً رحبًا ليبقى مصدرًا للقيم الروحية والإنسانية التي تغذي وجدان المجتمع وتمنحه سلامه الداخلي.
العلمانية والدين: مساران متكاملان لبناء المجتمع
إذا كانت الدولة المدنية إطارًا سياسيًا يضمن وحدة المجتمع ويصون حقوق مواطنيه، فإن الدين يظلّ حاجة إنسانية أصيلة، يمدّ الفرد بالقيم الروحية ويغذّي الضمير الجمعي بمعايير الأخلاق والعدل. فالدولة المدنية لا تُقصي الدين، بل تحميه من أن يتحول إلى أداة صراع سياسي أو وسيلة إقصاء اجتماعي، فيما يبقى الإيمان مصدرًا للقيم العليا التي تمنح المجتمع توازنه وفضائله وسلامه الداخلي. بهذا المعنى، يتكامل المساران: تشريعات مدنية تحفظ التعددية وتواكب
العصر، وإيمان ديني يرسّخ المعنى ويُضيء الطريق أمام الإنسان في بحثه عن الحقيقة والخلود. إن الجمع بينهما هو الضمانة لبناء دولة حديثة، مدنية وعادلة، تحترم حرية الاعتقاد وتستجيب في الوقت نفسه لحاجات الإنسان الروحية العميقة.
وفي المقابل، انتقلت هذه النظرية، بعد ثبات نجاحها في أوروبا، إلى ثقافات عديدة في العالم، لأن الشعوب وجدت فيها بداية جدية لوضع حلول اجتماعية وسياسية واقتصادية دنيوية ناجحة ومواكبة للعصر.
اما في الوطن العربي فان العقيدة القومية، على الرغم من أنها تعبر عن حقيقية واقعية قائمة اصلاً في العلاقة بين ابناء الامة العربية لتلبية أكثر من حاجة تشكل اللاحم القومي بينها، إلاَّ أنها بالإضافة الى كونها متأصلة في الامة العربية، فقد انتشرت بناءً على حاجات سياسية مُلِحّة وخاصة تلك التي تتعلق بضرورة توفير مقومات نجاح الامة في مواجهة التحديات الوجودية التي تواجهها والمتعلقة بهويتها وامنها ونهضتها ، ذلك النجاح الذي لا يمكن ان يتحقق الا بوحدتها وتكامل امكانياتها ومواردها.
ان العقيدة القومية قد أجابت على إشكالية كبرى تُختصر بإيجاد قوانين وتشريعات دنيوية تستجيب لحاجات العصر ومتطلباته اولاً، اضافة الى تلبيتها لمصالح التعدديات الدينية والمذهبية التي تشكل قاعدة لبناء مجتمع قومي موحَّد متآلف. كما أنها تضمن سيادة العدالة والمساواة لكل مواطني الدولة في شتى جوانب الحياة. فكانت الدعوة إلى الدولة المدنية هي الحل العقائدي والعملي الذي يوفر حلولاً لعلاقات الأديان والطوائف المتعددة التي تتشارك في وطن واحد، في ظل وحدة منظومة الحقوق والواجبات.
لقد عجزت السلطات الدينية، في الشرق والغرب، عن توفير حلول للتآلف بين مذاهب الدين الواحد: ففي الكنيسة الأوروبية، على سبيل المثال، كانت تتهم من لا يدين بمذهب الدولة الدينية الحاكمة بالهرطقة وإحالته إلى محاكم التفتيش لاستتابته أو لتعذيبه لإخراج عنصر الشر منه، أو للحكم عليه بالحرق حتى الموت.
ثوابت الفكر القومي تميِّز خصوصيات المجتمعات القومية وتحترمها
تتشابه ظروف المجتمعات التي وجدت في الايديولوجية القومية الفضاء الرحب لكافة ابناء الامة من شتى أطياف المجتمع الدينية والمذهبية. وخاصة في ظل
البحث المكثف والمعمَّق في العلاقة بين التراث والمعاصرة في الوطن العربي. أما التُراث فهو ما يضفي على المجتمعات القومية خصوصياتها. ولكن من اجل تحقيق المعاصرة الحقيقية الناجحة التي تحقق نهضة الامة العربية، والتي تحتم من بين ما تحتمه من التفاعل مع العصر، تحديث القوانين والتشريعات وعصرنتها، فان ذلك يجب ان يتم بموجب مراجعة دقيقة وحساسة تتضمن مراجعة تُراثنا وننقده،
لنترك السلبي فيه ونستفيد من الإيجابي ونعززه . وتلك هي عملية مكمِّلة ومتمِّمَة لخياراتنا التي حدد أهدافها الفكر القومي. فالحركة النقدية لحاضرنا وتجاربنا السياسية المعاصرة، كما لتاريخنا السياسي والفكري والاجتماعي هي جزء ضروري من أجل استكمال وضع نظرية فكرية قومية متوازنة مع التحديث والعصرنة.
الخطاب السياسي القومي جزء مكمِّل للثوابت القومية معبِّر عنها ومتقيِّد بمضمونها
على الفكر النظري النزول من النظرية إلى التطبيق، كي ينتفع به البشر، وإذا كان فكراً جديداً يهدف إلى نقل المجتمع الموجَّه إليه إلى ضفة التغيير نحو الاحسن، فان عليه ان يدرك ان التغيير بدوره لا يمكن أن يحصل بقفزات سريعة، بل يتم بنقلات متدرجة بحيث يتفهمه ويستوعبه المجتمع شيئاً فشيئاً، وقد تمر أجيال عديدة ليصل التغيير إلى حدود واضحة ومنظورة. أما السبب فهو أن الثقافة القديمة تدخل في مواجهة معه، وتضع عوائق وعراقيل في وجهه. وكي لا تكون المواجهة شديدة تؤدي إلى رفض عميق او انعزال الفكر عن جماهيره، يلعب الخطاب السياسي دوراً أساسياً في التمهيد لنقلة تعقبها نقلة، على أن يكون مبنياً على خطط مرحلية، وأن يكون مدروساً ومتقناً، بحيث لا يصطدم مع الثقافة القديمة السائدة من جهة، وأن لا يجاري سلبياتها في عملية استسهال التقرب إلى الجماهير من أجل كسبها كسبا مؤقتا على حساب مصلحتها الحقيقية في التقدم والنهضة ثانياً. والانتقال من نقد سلبيات الثقافة القديمة وتقديم البدائل القومية المناسبة ثالثاً.
الثوابت القومية بوصلة تصوِّب اتجاهات الخطاب النضالي
قبل كل شيء، ولكي يساعد الخطاب السياسي النضالي في التغيير الفعلي، لا بدَّ من أن يمتلك وضوح الرؤية بما يلي:
-أن تشكل الثوابت الفكرية الجديدة بوصلة للخطاب السياسي، ولا يجوز التعتيم على مضمونها، ومراعاة تناول ذلك بحكمة بالغة وشفافية.
– من أهم الثوابت القومية يأتي بناء دولة مدنية في مقدمتها. وإن هذا الأمر يستدعي نقداً لفكر الحركات الإسلامية السياسية لأنه من دون نقد واعٍ لا يمكن البرهان على صحة مضمون الفكر القومي وأهميته في بناء الدولة العصرية. والنقد المشار إليه يشمل نقد ذلك الفكر بجانبه السياسي، سواءٌ أكان عاماً أم طائفياً خاصاً. أما التدخل في البحث والتحليل في الجانب الايماني والروحي للأديان فهو ليس من مهمات الفكر القومي، ولا ينبغي له ان يكون. فان ذلك من شأنه
تفريق الامة بدلا من توحيدها الذي يشكل العمود الفقري للفكر القومي واساس مبرر وجوده.
– أن يحصر همه بتأسيس كل ما له علاقة بتنظيم حياة المجتمع القومي المادية والاجتماعية، وأساسهما العدالة القائمة على القيم العليا و الأخلاق والمساواة بين المواطنين كافة. وأما خياراتهم الروحية فهي شأن من شؤونهم الفردية لا يجوز أن يتدخل الفكر القومي فيها وكذلك الدولة القومية، بل احترام تلك الخيارات، من معتقدات وطقوس خاصة بكل دين أو مذهب، وحمايتها، وأن لا تتدخل إلاَّ ضد ما يمس سيادتها ويمس وحدة المجتمع القومي ومصلحته.
– على الفكر القومي أن يلحظ في ثوابته الفكرية ما يلبي حاجة النفس البشرية للدين بوضع خطط تربوية روحية قائمة على الأخلاق والقيم السامية، وتهذيب وسائل الخيارات الروحية التي تلبي حاجة الإنسان للدين كخيار روحي راقٍ للخلاص في الحياة الدنيا كما في الآخرة.

Leave a Reply