المسرح في زمن الح.رب: حين يستعيد الخيال دوره في إنقاذ طفولة السودان

صحيفة الهدف

 مجدي علي

المسرح أحد أقدم الفنون الإنسانية وأكثرها التصاقًا بالوجدان الجمعي، إذ لم يكن يومًا ترفًا ثقافيًا بقدر ما كان مساحة للبوح، وإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول الإنسان والسلطة والحياة. في جوهره، يقوم المسرح على استعادة القدرة على الخيال، وعلى تحويل التجربة الفردية إلى فعل جماعي يُرى ويُناقَش ويُعاد تأويله. ولهذا ظل المسرح، عبر التاريخ، حاضرًا في لحظات التحول الكبرى، خصوصًا في أزمنة القلق والحـ.روب، بوصفه أداة مقاومة رمزية، ووسيلة للتماسك النفسي والاجتماعي.

دور في السلم وفي الح.رب

في السودان، نشأ المسرح الحديث منذ بدايات القرن العشرين متقاطعًا مع الحراك التعليمي والثقافي، وتحوّل سريعًا إلى منبر للتعبير عن القضايا الوطنية والاجتماعية. أسهمت مؤسسات مثل معهد الموسيقى والمسرح، وجماعات مسرحية مستقلة، في ترسيخ تقاليد مسرحية حملت هموم المجتمع، واشتغلت على اللغة المحلية، والسخرية السياسية، واستلهام التراث الشعبي. وخلال العقود الماضية، لعب المسرح السوداني دورًا لافتًا في مقاومة القمع، وفضح الاستبداد، والدفاع عن قيم الحرية والعدالة، حتى في ظل التضييق وضعف الإمكانيات.

غير أنّ اندلاع الح.رب الأخيرة أعاد طرح سؤال الفن، والمسرح على وجه الخصوص، بوصفه فعلًا إنسانيًا ملحًا في مواجهة الدمار. فالح.رب لا تدمّر المدن والبنى التحتية فقط، بل تصيب الخيال في الصميم، وتُحدث شروخًا عميقة في وعي الأطفال والناشئة.

مسرح الأطفال.. معالجة نفسية

في هذا السياق، يعمل الناقد والمدرب المعتمد في إدارة التنوع الثقافي والمسرح التفاعلي، هيثم الطيب، على مشروع بعنوان “الح.رب ومسرح الأطفال كمعالجة حقيقية”، وهو مشروع يقوم على تجربة مسرحية نوعية بالتعاون مع بيت خبرة مسرحي أوروبي، تستهدف الأطفال الذين عاشوا داخل مناطق النزاع.

ذاكرة الأطفال.. سردٌ قاسٍ

تعتمد التجربة على إشراك الأطفال أنفسهم في صناعة العرض المسرحي، من خلال اللغة والحركة والتجسيد، بما يتيح لهم التعبير عن ذواتهم وتجاربهم دون وصاية. وقد كشفت البدايات، كما يروي الطيب، عن مفارقة مؤلمة: فالأطفال قدّموا عروضًا ناجحة من حيث الأداء والتماسك، لكن مضامين الحكي كانت مشبعة بتفاصيل الح.رب إلى حد القسوة. كانت الذاكرة حاضرة بكثافة، والخوف متجسدًا في اللغة والحركة، فيما بدا الخيال شبه غائب.

هذه النتيجة قادت المشروع إلى خلاصة أساسية مفادها أن الح.رب تقتل خاصية الخيال لدى الأطفال، وتحاصر طاقة الحكي، وتختزلها في التوثيق القسري للألم. فالطفل، في ظل العنف المستمر، يفقد المساحة الآمنة التي تسمح له بالاختراع والتخيل، وهي إحدى أهم ركائز النمو النفسي السليم.

استعادة الخيال حق إنساني

ومن هنا، تصبح المعالجة المسرحية ضرورة لا ترفًا، لأنها تعيد فتح نافذة للخيال بوصفه حقًا إنسانيًا، لا مجرد مهارة فنية. ضمن هذا الفهم، سعى الطيب وفريقه إلى تطوير منهج العمل المسرحي، عبر تحفيز الأطفال على التفكير في الآخر، وفي إمكانية وجود من يسعون إلى إيقاف الح.رب، وفي قيم التضامن والتعاطف. هذا التحول البسيط في زاوية النظر أتاح للخيال أن يتحرك من جديد.

تجارب المقاومة الثقافية

تاريخيًا، أثبت المسرح السوداني قدرته على التفاعل مع الأزمات، سواء عبر المسرح المدرسي، أو مسرح الشارع، أو العروض التجريبية التي خرجت من القاعات المغلقة إلى الفضاء العام. وفي ظل الح.رب، برزت مبادرات فردية وجماعية تسعى لاستخدام المسرح كوسيلة للدعم النفسي، وبناء السلام، خاصة في أوساط الأطفال والنازحين. ورغم شح الموارد، وصعوبة الوصول، والمخاطر الأمنية، يظل المسرح واحدًا من القلائل القادرين على الوصول المباشر إلى الإنسان.

المسرح طريق للترميم

يؤكد هيثم الطيب أن المسرح، بخاصيته التفاعلية، يمنح الطفل فرصة للتفكير الحر دون قمع، ويتيح له تفكيك الأسئلة الكبرى بطريقته الخاصة. فالخيال، حين يُستعاد، لا يعمل ضد الواقع، بل يساعد على فهمه وتجاوزه.

في النهاية، يكشف هذا المشروع، كما يكشف واقع المسرح السوداني اليوم، أن المعركة الحقيقية ليست فقط ضد السلاح، بل ضد الخراب الداخلي الذي تخلّفه الح.رب في النفوس. والمسرح، بما يحمله من طاقة رمزية وجماعية، يظل أحد المسارات القليلة القادرة على ترميم هذا الخراب، وإعادة بناء الإنسان من الداخل، خطوةً خطوة، وخيالًا بعد خيال.

#ملف_الهدف_الثقافي #مجدي_علي #هيثم_الطيب #المسرح_السوداني #دعم_نفسي #لا_للحـ.رب

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.