أ. طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
قبل أن يكون حزباً، وقبل أن يكون تنظيماً، وقبل أن تكون له مؤتمرات وبيانات، كان البعث فكرة تسكن الروح قبل أن تسكن العقل. كان إحساساً بأن الأمة العربية ليست مجرد بطاقة هوية، بل هي رسالة لم تكتمل بعد. إنها لحظة أدرك فيها القائد المؤسس أن الأمة العربية لا تنهض بشعارات ترفع، ولا ببرامج توزع، بل بإنسان يعاد بناؤه من الداخل. ليس الإنسان كجسد فقط، ولا كعقل فقط، ولا كروح فقط، بل كوحدة متكاملة لا تقبل التجزئة.
في احتفالية (ذكرى الرسول العربي)، عام 1943، وبينما كانت الأمة العربية تعيش أسوأ حالات الانكسار والتبعية، وقف الأستاذ ميشيل عفلق ليضع حجر الأساس في فلسفة الحزب الذي سيولد بعد أربع سنوات. لم يكتف بتحليل الأزمة، بل قدم الوصفة: يجب أن تتحد الصلاة مع العقل النير مع الساعد المفتول، لتؤدي كلها إلى العمل العفوي الطلق الغني القوي المحكم الصائب.
هذه الجملة اليتيمة، التي كتبت قبل أن ينظم الحزب وقبل أن تبدأ التجربة، تحتوي في طياتها كل ما سيأتي بعدها. إنها دستور البعث في جملة واحدة. وهي التي تفتح لنا باباً لفهم البعث من جذوره. هذه المقولة، التي مضى على ولادتها أكثر من ثمانين عاماً، لم تكتب بعد في صخر الوعي العربي كما تستحق. وهذه الكتابة محاولة لاستنطاقها من جديد، ليس كذكرى تاريخية، بل كمنهج حياة.
هذه الكتابة ليس شرحاً لنظرية، ولا تلخيصاً لأفكار؛ هي محاولة للدخول إلى معمعة البعث من بابه الأوسع: الباب الذي يفتح على الإنسان قبل الأيديولوجيا، وعلى القيم قبل السياسة، وعلى الحب قبل الانتصار. ومن هنا، فإن أي محاولة لفهم البعث لا يمكن أن تبدأ من البرامج أو الهياكل، بل يجب أن تبدأ من حيث بدأ هو، من العلاقة الجدلية بين (الساعد المفتول) و(العقل النير)، وبين (الصلاة) و(الجماهير).
لماذا قالها القائد المؤسس عفلق عام 1943؟، ففي سياقها التاريخي لا يمكن فهم مقولة الأستاذ ميشيل عفلق: (يجب أن تتحد الصلاة مع الساعد المفتول والعقل النير)، بمعزل عن اللحظة التاريخية التي ولدت فيها. فالأفكار الكبرى لا تولد في الفراغ، وإنما تخرج من رحم الأزمات الكبرى. عندما أطلق هذه العبارة عام 1943، كانت الأمة العربية تعيش واحدة من أكثر مراحلها التاريخية اضطراباً. فالأقطار العربية التي كانت لقرون خاضعة لحكم الدولة العثمانية – وهو حكم استعماري تركي متسلط اتخذ من الغطاء الديني وسيلة للهيمنة والطغيان – بدأت تتفكك وتتحرر من ذلك العبء مع سقوط السلطنة العثمانية. لكن سرعان ما أعيد رسم الجغرافيا العربية وفق خرائط واتفاقيات القوى الاستعمارية الغربية الجديدة، وفي مقدمتها اتفاقية سايكس – بيكو، التي قسمت المنطقة إلى كيانات هشة. وهكذا تحولت الأقطار العربية، التي كانت تعاني من الإقصاء تحت الحكم التركي، إلى وحدات سياسية منفصلة ومتناحرة، وغالباً ما كانت أكثر ولاءً لحدودها المصطنعة منها لوحدة أمة واحدة. وفي الوقت نفسه، كانت أوروبا تعيش ذروة صعود القوميات الحديثة التي نجحت في بناء دول قوية ومجتمعات متماسكة اعتماداً على فكرة الهوية القومية، بينما ظل العرب أسرى التبعية تارة للسلطان العثماني وتارة للتقسيم الاستعماري.
. وكان هذا النجاح الأوروبي يطرح سؤالاً مؤلماً على المثقفين العرب: لماذا استطاعت أمم أخرى أن تتحول إلى قوة تاريخية فاعلة بينما بقي العرب أسرى التجزئة والتبعية؟ لكن الأستاذ ميشيل عفلق لم ير أن المشكلة تكمن فقط في الاستعمار أو في الحدود المصطنعة، بل في الإنسان العربي نفسه. فقد رأى أن الاستعمار لم يكن سوى نتيجة لضعف داخلي أعمق، يتمثل في تفكك الشخصية العربية وفقدانها لوحدتها الروحية والفكرية والعملية. لقد أصبح العربي يصلي دون أن يغير واقعه، ويفكر دون أن يتحول فكره إلى فعل، ويعمل دون أن يكون عمله موجهاً بقيم ومعان عليا. من هنا جاءت المقولة التأسيسية بوصفها مشروعاً لإعادة بناء الإنسان العربي قبل إعادة بناء الدولة العربية. فقبل أن تتحقق الوحدة السياسية، كان لا بد من استعادة الوحدة الداخلية للإنسان نفسه. ولذلك لم تكن المقولة مجرد دعوة أخلاقية، بل كانت إجابة فلسفية على سؤال النهضة العربية في عصر الاستعمار والتجزئة وأزمة الهوية. وبهذا المعنى، فإن الصلاة والعقل النير والساعد المفتول ليست عناصر منفصلة، بل هي استجابة تاريخية لأزمة تاريخية. إنها محاولة لإنتاج إنسان جديد قادر على مقاومة الاستعمار، وتجاوز التجزئة، واستعادة دوره في صناعة التاريخ.
أولاً: فك رموز المقولة – ثلاثية البناء الإنساني
1. الصلاة: استحضار الغيب لا الهروب من الأرض: لما قال الأستاذ ميشيل عفلق (الصلاة)، لم يقصد الطقس المجرد، ولا التعبد بمعناه الضيق. الصلاة، في سياقه التأسيسي، هي الوعي بالغيب، والإحساس بأن الإنسان ليس مادة تتحرك، وليس عقلاً يفكر فقط، بل هو روح تسمو، وضمير يحاسب، وقلب يخشع.
لطالما أسيء فهم العلاقة بين البعث والدين. البعض اتهم الحزب بالإلحاد، والبعض الآخر اتهمه بالاستغلال الديني. لكن الحقيقة، كما هي دائماً، في المنتصف. ففي حوار له حول الدين والتراث، أكد الأستاذ ميشيل عفلق أن الفكر البعثي قام على الجمع بين (الإيمان والعقلانية). وهما: (التجربة الروحية في حياة العرب، أي الإسلام، وروح العصر). فالبعث، منذ بداياته، لم يكن مشروعاً علمانياً جافاً، ولا مشروعاً دينياً متعصباً، بل كان مشروعاً يمزج بين الوحي والإبداع الإنساني. هذا يتطابق مع ما نؤمن به: أن الصلاة هي تواصل مع رب العزة والجلالة تستحضر الرجوع للقيم في الحق والعدل والمساواة. الصلاة في هذا المعنى تعني:
– أن تستحضر القيم المطلقة (الحق، العدل، المساواة) قبل أن تشرع في أي عمل.
– أن تذكّر نفسك بأن النضال ليس صراعاً على غنائم، بل هو امتداد لرسالة أخلاقية.
– أن تخرج من ضيق الأنا إلى سعة الكون، ومن زمن اللحظة إلى أبدية المعنى.
بدون الصلاة، يصبح الساعد قسوة، والعقل غروراً، والنضال مجرد صراع على مواقع ومصالح. فالصلاة هي حبل الوعي بالغيب، وهي التي تمنع تحول النضال إلى مجرد صراع مادي على المصالح. قصد بها التواصل مع القيم المطلقة، والرجوع إلى المصدر الأخلاقي الذي يمنح العمل قدسيته. في سياق حديثه عن انقطاع الشخصية العربية وتفككها، رأى أن إعادة التوازن تبدأ باستعادة البعد الروحي المفقود.
البعث لا يفرض ديناً على أحد، ولا يصادر حق أحد في الإيمان. لكن البعث، في جوهره، يرى في القيم الدينية (العدل، والمساواة، والحرية، والكرامة) مرجعاً أخلاقياً لا غنى عنه في بناء الدولة والمجتمع.
2. الساعد المفتول: قوة الإيمان التي تتحول إلى فعل: لطالما رسمت صورة البعثي في المخيال العربي بأنه صاحب الساعد المفتول. وهذه الصورة ليست مجرد استعارة جسدية، بل هي تعبير عن جوهر العلاقة بين الحزب والجماهير. فالساعد المفتول ليس فقط القوة العضلية، بل هو الطاقة التي يبذلها الإنسان لتحويل إيمانه إلى واقع ملموس. فهو البعد العملي الجسدي. ليس المقصود به فقط القوة العضلية، بل الطاقة التي يبذلها الإنسان لتحويل إيمانه إلى واقع ملموس. الساعد المفتول يعني:
– أن الإيمان لا يمكن أن يظل حبيس الصدور، بل لا بد أن يخرج إلى الفعل.
– أن العلاقة مع الجماهير ليست علاقة (نحن نعطي وهم يأخذون)، بل هي علاقة عضوية: الجماهير هي وسيلتنا وغايتنا.
– أن نتعب ونكد ونتعب، وأن نظل صامدين حتى لو لم نر ثمار تعبنا.
– أن الإرادة الشعبية ليست مجرد تأييد انتخابي، بل هي طاقة حية تنتظر من يوجهها.
بدون الساعد المفتول، تصبح الصلاة عزاء جميلاً، ويصبح العقل مجرد نظريات لا تجد طريقها إلى الأرض. في أدبيات البعث التأسيسية، لم تكن الجماهير مجرد (قاعدة شعبية)، يتكئ عليها الحزب، بل كانت هي الحزب في صورته الأوسع. إن القائد الذي ينقطع عن الجماهير، والتنظيم الذي يتحول إلى نخبة منغلقة، يفقد شريانه الحيوي، ويتحول تدريجياً من حركة تغيير إلى آلة بقاء.
كما أن مفهوم (الساعد المفتول)، لا يكتمل دون (الجماهير). فالساعد المفتول ليس قوة فردية، بل هو طاقة الأمة العربية عندما تستيقظ. في أدبيات البعث التأسيسية، يرفض الأستاذ ميشيل عفلق أي شكل من أشكال النخبوية أو الانعزال عن الجماهير. ويؤكد أن الحزب ليس غاية في ذاته، بل الأمة هي الغاية.
يكتب الأستاذ عفلق في ذكرى تأسيس الحزب: (الحزب هو جزء من الأمة، خرج من آلامها وحاجاتها وتطلعاتها، ويبقى مرتبطاً بالأمة وتاريخها ومصيرها، ويبقى وسيلة، والأمة هي الغاية). هذا هو المعنى الحقيقي للعلاقة الجدلية: الحزب يستمد شرعيته من الجماهير، والجماهير تستمد وعيها من الحزب.
الإشكال الذي يتم طرحه هو (هل نريد شعبًا معنا أم شعبًا يشبهنا؟) يجيب عنه الأستاذ ميشيل عفلق بوضوح، في إن البعثي الحقيقي هو الصورة الحية للحزب وللأمة العربية . لا يذهب ليعلم الناس، بل ليشاركهم. ولهذا فإن الساعد المفتول هو الساعد الذي يخالط الجماهير، ويعمل معها، ويضحى معها. وهو النقيض التام للبيروقراطي المنغلق في مكاتبه.
3. العقل النير: الانفتاح بلا ذوبان: إذا كانت الصلاة تمثل البعد الروحي، فإن العقل النير يمثل البعد المعرفي. وهو (النير)، لأنه يضيء الطريق، ويميز بين الحق والباطل، وبين الأصيل والدخيل، وبين ما ينفع وما يضر. لقد حذّر الأستاذ ميشيل عفلق من خطرين متساويين: الانغلاق على الماضي (النقل الحرفي والتقليد الأعمى) من جهة، والذوبان في الحضارة الغربية (فقدان الهوية والتبعية) من جهة أخرى. وهو يقول: الاتصال بهذه الحقائق الحضارية والثقافية لا يكون بالنقل الحرفي، ولا بالتقليد، وإنما بأن تكتشف هذه الحقائق من جديد، من خلال ثقافة العصر ومن خلال الثورة والنضال. هذا هو جوهر ما نعنيه بـالعقل النير: أن نأخذ من الغرب تقنيته وعلومه وأدواته، ونرفض تبعيته الفكرية وقيمه الاستهلاكية. أن نكون منفتحين دون أن نكون أتباعاً. العقل النير في فكر الأستاذ ميشيل عفلق يعني:
– الانفتاح على معطيات العصر دون خوف، وأخذ أدواته دون أن نأخذ قيمه كلها.
– أن نميز بين روح العصر (ما يستجد من علوم وتقنيات) واستلاب العصر (التبعية الفكرية والثقافية).
– أن نقرأ الآخرين بإنصاف، ونأخذ منهم ما يفيدنا، دون أن نذوب في هويتهم.
فإذا كان الساعد المفتول يمثل طاقة الإيمان والحركة، فإن العقل النير يمثل بوصلة هذه الحركة. إنه العقل الذي:
– ينفتح على معطيات العصر، يقرأها، يفهمها، يستفيد منها، لكنه لا يذوب فيها.
– يعرف كيف يستخدم التكنولوجيا والعلوم الحديثة، دون أن يتحول إلى مجرد تابع للحضارة الغربية.
– يميز بين ما هو (أداة) وما هو (قيمة)، فيأخذ من كل عصر أدواته، ويحافظ على قيمه.
بدون العقل النير، تصبح الصلاة هروباً من الواقع، ويصبح الساعد عشوائياً غوغائياً. فالعقل النير هو الذي يمسك العصا من المنتصف دون أن تنكسر. إن أخطر ما يواجه أي مشروع نهضوي هو أن يختار بين (الانغلاق) و(الذوبان). البعث، في رؤيته الأصيلة، يرفض هذا التخيير. يمكننا أن نكون منفتحين دون أن نكون تابعين، وأن نكون أصيلين دون أن نكون منغلقين.

Leave a Reply