هند تعانق حيفا

صحيفة الهدف

ثائر أبو عياش

في حي تل الهوى، جنوب غرب مدينة غ.زة، حيث تصطف البيوت القديمة كأحفاد الزمن، كانت الحياة تسير كأنّ الح.رب حكاية بعيدة، رغم أنّ كلّ جدار وكلّ شارع يحمل أثر الصراع. الأزقة الضيّقة والمباني المتهالكة والطرقات المزدحمة قبل الصباح كانت تنتظر شيئًا مجهولًا يطرق الأبواب بصمت قبل أن يعلن حضوره بصخب الرصاص والدبابات.

صباح 29 كانون الثاني/ يناير 2024، اقترب الموت متسللًا بين أصوات الانفجارات والدخان، يطرق قلب كلّ بيت ويدوس على كلّ فرحة، كأنّ آلة الح.رب لا تعترف بوجود حياة. هند رجب، الطفلة ذات السنوات الست، كانت تلعب إلى جانب والدتها في صالة البيت. عيناها الواسعتان تنظران إلى العالم بعفوية الأطفال، غير مدركة أنّ احتلالًا مجهولًا يمرّ فوق رأسها ويزرع الرعب. كان وجهها الطفولي يشعّ فضولًا وحياة، بينما تمسك أصابعها الصغيرة دميتها المفضّلة “حيفا”، تلك الصديقة التي حملت كلّ همساتها وأسرارها. كانت تحاول تعليمها كيف تعتمر قبعة صغيرة، وتضحك قائلة: “انظري يا حيفا، أنت الآن جميلة مثل الشمس”. ضحكاتها الخفيفة كانت تتردّد في المكان كأنّها محاولة لملء العالم بالفرح قبل انهياره.

ومع اشتداد أصوات الدبابات، حاولت العائلة النزوح سريعًا، تحمل أثقالًا وقلوبًا مرتجفة تبحث عن شارع أكثر أمانًا وزاوية أقلّ ق.صف. لكن قبل أن يبتعدوا، حاصرتهم الدبابات الإسرائيلية من كلّ جانب، وأحاطت سيارتهم الصغيرة كأنّ العالم كلّه تحوّل إلى فخّ لا مفرّ منه. كلّ خطوة كانت تحت مرمى الرصاص. السماء فوقهم محمّلة بالتهديد، والسيارة الصغيرة أصبحت آخر خيط للنجاة ثمّ سرعان ما تحوّلت إلى سجن في مواجهة الموت.

ومع اهتزاز الأرض تحت قذائف الدبابات، اخترقت الرصاصات زجاج السيارة لتستقر في أجساد أحبائها واحداً تلو الآخر. صرخات الألم اختلطت بصوت الرصاص، حتى ساد صمت موحش، ولم يبق في تلك السيارة النازفة سوى هند، وحيدة وسط جثامين عائلتها، ودميتها “حيفا” التي تلطخت بالدماء. أمسكت هند بهاتفها، واتصلت بالهلال الأحمر الفلسطيني، وصوتها المرتجف يمزق نياط القلوب: “خذوني.. تعالوا خذوني.. أنا خائفة، الدبابة بجانبي، إنها تقترب”.

اثنتا عشرة ساعة من الرعب عاشتها هند في اتصال متقطع، كانت تسأل المسعفين عن الوقت، وعن موعد وصولهم، وعن “حيفا” التي سقطت من يدها تحت الكرسي. وحين انطلق المسعفان يوسف زينو وأحمد المدهون لإنقاذها، استهدفتهم قذيفة غادرة ليرتقوا شهداء قبل وصولهم إليها بامتار.

بعد أيام من البحث، عُثر على السيارة متفحمة. لم تكن هند هناك لتضحك مجدداً، ولم تكن “حيفا” لتسمع أسراراً جديدة. غادرت هند، تاركة خلفها حكاية طفولة وأدها الاحتلال، ودمية شاهدة على مأساة لم يسبق لها مثيل في تاريخ الوجع الإنساني. هند رجب، لم تكن مجرد رقم، بل كانت قصيدة حياة لم تكتمل، وعناقاً أخيراً لطفلة لدميتها في زمن عز فيه الأمان.

#ملف_الهدف_الثقافي #هند_رجب #غ.زة #فلس.طين #جرائم_الاحـ.تلال #ثائر_أبو_عياش

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.