عبد المنعم مختار
في الأزمنة التي تتسارع فيها الصور قبل الأفكار، وتسبق الموضةُ المعنى، بات كثير من الشباب في العالم الثالث، ولا سيما في الوطن العربي والقارة الإفريقية والعالم الإسلامي، يعيشون حالةً من الاغتراب الناعم؛ اغتراب لا يُفرض بالقوة، بل يُغلَّف بالإعجاب، ويُسوَّق تحت لافتات مثل “التحضّر” و”مجاراة العصر”. والنتيجة هي تقليد أعمى لملابس وعادات وسلوكيات لا تمتّ إلى بيئاتهم، ولا إلى تاريخهم، ولا إلى منظوماتهم القيمية بصلة.
ومن أبرز تجليات هذا الاغتراب ظاهرة “البنطلون النازل”، أو ما يُعرف في الثقافة الغربية باسم Sagging Pants. فهذه الموضة، خلافًا لما يُظن، لم تولد في بيوت الأزياء ولا على منصات العرض، بل نشأت في بيئة قاسية ومغلقة: السجون الأمريكية. ففي تلك السجون، كان يُمنع النزلاء من ارتداء الأحزمة أو أربطة الملابس لأسباب أمنية، كما ارتبط ارتخاء السروال، في فترات معينة، بدلالات اجتماعية مهينة داخل عالم السجن، تشير إلى الخضوع أو إلى تعرّض صاحبه لانتهاك قسري. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا المظهر من علامة اضطرار أو إذلال داخل السجن إلى أسلوب لباس اعتاده بعض السجناء بعد الإفراج عنهم، قبل أن تلتقطه ثقافة الشارع، ثم موسيقى العصابات والهيب هوب، لينتقل لاحقًا إلى الإعلام وصناعة الموضة بوصفه شكلًا “متمرّدًا” منزوع السياق.
وهنا تتجلّى المفارقة: يُقلَّد الشكل بينما يُجهل الأصل، وتُستنسخ القشرة بينما يُهمَل التاريخ الاجتماعي الذي حمل هذه الظاهرة من الهامش إلى الواجهة. وهكذا وصلت هذه الموضة إلى شبابنا لا بوصفها قصة اجتماعية معقّدة، بل كـ”إستايل” عصري يُفترض أنه رمز للحرية والحداثة.
ويكشف التحليل العلمي لهذه الظاهرة عن عدة عوامل متداخلة. أولها أزمة الهوية لدى شريحة من الشباب، حيث يضعف الشعور بالانتماء الثقافي في ظل خطاب تربوي وإعلامي مرتبك، فيغدو النموذج الغربي، مهما كان هامشيًا أو مشوَّهًا، بديلًا رمزيًا للذات. وثانيها هيمنة الإعلام العالمي الذي يُصدّر أنماطًا استهلاكية جاهزة، تربط القبول الاجتماعي بالمظهر، والنجاح بالتشبه. وثالثها الفراغ القيمي الناتج عن تراجع دور الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية في بناء الذوق العام والنقد الواعي.
ولا يكمن الإشكال في الانفتاح على الآخر، فالتفاعل الحضاري سُنّة تاريخية، وإنما في الاستلاب: أن نأخذ دون تمحيص، وأن نُقلّد دون وعي، وأن نخلع عنا جلدنا الثقافي ظنًا منا أن في ذلك تقدّمًا. والمفارقة الأكثر إيلامًا أن كثيرًا من هذه الموضات نفسها تُواجَه بالرفض أو التقنين في مجتمعاتها الأصلية، بينما نتلقفها نحن بشغف المتأخر.
أما الحلول، فلا تكمن في الوعظ الأجوف ولا في القمع الشكلي. بل تبدأ بإعادة الاعتبار للتربية الثقافية التي تشرح للشباب “لماذا” قبل أن تقول “لا”، وتستمر عبر إعلام مسؤول يقدّم نماذج نجاح متجذّرة في بيئتنا، لا مستنسخة من شاشات بعيدة، وتتعزّز بدعم المنتج الثقافي المحلي في الأزياء والفنون، ليغدو الانتماء خيارًا جميلًا لا واجبًا ثقيلًا. والأهم من ذلك كله: فتح مساحات حوار مع الشباب، لا ازدراء ذوقهم، بل الارتقاء به.
ختامًا، فإن الأمم لا تُقاس بما تلبسه، بل بما تعرفه عن نفسها. ومن لا يعرف جذوره، يسهل اقتلاعه. أما الشباب، فهم طاقة المستقبل؛ فإن لم نمنحهم معنى الانتماء، بحثوا عنه في مرايا الآخرين. والحكمة كل الحكمة أن نكون أبناء عصرنا، دون أن نكون أيتام حضارتنا.
#ملف_الهدف_الثقافي #عبد_المنعم_مختار #شباب #ثقافة #هوية #السودان

Leave a Reply