هيثم الشفيع
إضاءة
إضاءة
بيني وبينك، يا سواحل، ألف باب
ضيّعتُ نصف العمر أفتح جاهدًا فيها
لتوصلني إليك.
حتى إذا أيقنتُ قافلتي لديك،
ألفيتني فردًا وحيدًا،
خلفي الأبواب، واجهتي السراب.
هيثم الشفيع
إظلام
قالت: أظنك نسيتني!هيثم الشفيع
إظلام
قالت: أظنك نسيتني! حاولتُ تجنّب الحرج وادّعاء غير ذلك، ظنًّا مني أنها ستقتنع بقولي: “لا، لا يا أخي.. العفو”. لم أتوقّع أبدًا أنها ستحاصرني بتلك الطريقة التي طالما اشتكيت منها لأصدقائي؛ تلك الطريقة المألوفة في لقاءات القرى: حين أذهب إلى قريتنا فألتقي أحد أقاربي، ويصرّ على أنني لا أعرفه، رغم تأكيداتي وإلحاحي على أنني عرفته، لا يتركني ويضيّق عليّ الخناق: “أها.. أنا منو؟” فأجيبه: يا أخي، عارفك، أنت عم أولاد خالتي. فيصفعني بقوله: “منو في أعمام أولاد خالتك؟”
أقول.. فاجأتني حين قالت: خلّينا نقول إنك ما نسيتني، وحأكون ظريفة معاك وأقول ليك: لا عاوزاك توريني اسمي، ولا عرفتني متين. بس لو صاح ما نسيتني، قول لي: “نحن اتلاقينا وين قبل الليلة؟” يا للمصيبة! هل اهترأت ذاكرتي إلى هذه الدرجة؟ فتاة بهذا الجمال الصارخ، وهذا القوام البديع، وهذا الصوت الفخيم، تدخل حياتي وتخرج منها، ثم تعود لتفاجئني، بل تفاجئ نفسها، بأن مكانها داخل ذاكرتي غير موجود؟ أي حسرة! دار عقلي بسرعة كمبيوتر يبحث وسط المعلومات المخزّنة فيه عن ملف ضائع، لكن نتيجة البحث كانت محبطة: “No item match your search”.
كنت ضمن المدعوين لفعالية شبابية من تلك التي انتظمت العاصمة بعد الثورة، برنامج ثقافي خيري لمساعدة أطفال الشوارع، أو (أبطال الشوارع) كما اصطلح على تسميتهم أيام الاعتصام المجيد. حضرت لأشاهد إبداعات هؤلاء الشباب الذين اقتلعوا وطنهم من براثن وحش لا يعرف الرحمة ولا معنى الإنسانية. انتشلوه من مستنقع آسن، عجز جيلنا عن إخراجه منه طوال ثلاثة عقود. أتيت اعترافًا بالجميل الذي طوّقونا به؛ إذ أعادوا لنا وطنًا ظللنا نلهث وراء سراب استعادته ثلاثين عامًا، ولأراهم وهم ينقلونه من مرحلة هزيمة الوحش والانتشال من المستنقع، إلى مرحلة الاستشفاء والنظافة، منظرًا ومخبرًا، ثم إلى استعادة العافية.
لم أكن أتصوّر أن بعضهم يعرفني، ويعرف أنني أكتب الشعر. لذلك فوجئت حين سمعت المذيع يذكر اسمي ضمن الشعراء الذين سيتناوبون على المنصة. ولحسن حظي كنت الأخير في الترتيب، مما يوحي بأن اسمي لم يكن أصلًا ضمن البرنامج، وأن إدراجه تم بعد حضوري إلى مكان الفعالية. منحني ذلك وقتًا كافيًا لأهيّئ نفسي وأراجع اختياراتي، خاصة أن ثقوب ذاكرتي اتسعت في الآونة الأخيرة، وبتّ أنسى كلمات، بل أجزاء من قصائدي. قرأت مجموعة من القصائد نالت استحسان الحضور، وجذب التصفيق الحاد أنظار الجميع نحو خشبة المسرح.
وبعد انتهاء الفقرة الأخيرة، تجمع حولنا عدد من الشبان والفتيات، وكنت مع بقية الشعراء نقف بين الصف الأول والمسرح نتبادل المجاملات والتعليقات. وفجأة، رأيتها تستأذن الواقفين ليفسحوا لها الطريق. وأظنها لو لم تفعل لأفسحوا لها دون وعي؛ فجمالها كان يشبه سيارات التشريفة في المواكب الرئاسية، يلفت الانتباه ويفتح الطريق لمن يأتي خلفه. تعلّقت أنظاري بها، كما تعلّقت أنظار من حولي. لكن فجيعتي الكبرى كانت حين تجاوزت الجميع واتجهت مباشرة نحوي، مدت يدها إلى كتفي في سلام سوداني حميم، وابتسمت ابتسامة آسرة، وقالت: “عماد ياسين.. الحي يلاقي”. لم أكن أعلم طوال عمري أن اسمي يمكن أن يُنطق بهذه الصورة، ولا تخيّلت أنه يمكن أن يُلحَّن ويُؤدَّى بهذا الجمال.
بادلتها الحفاوة، وأكملت مراسم التحايا، ثم دخلت المرحلة الأصعب من اللعبة: من هذه؟ انتظرت أن يعرّفنا بها أحد، لكنها أكملت دورة السلام على الواقفين بجانبي، دون أن يبدو على أيٍّ منهم، رجالًا ونساءً، أنهم يعرفونها. بل لاحظت في عيونهم خليطًا من الحسد والاستفهام: من تكون؟ أنقذني، أو هكذا ظننت، شجار مفاجئ ارتفعت أصواته في الطرف الآخر من المكان. التفّت الأنظار نحو مجموعة من الشباب والفتيات يهتفون في كورال منغّم: “أي كوز.. ندوسو دوس”. وفي وسط الدائرة، لمحت وجهًا إعلاميًا معروفًا من العهد البائد، ألقاه غروره ورهانه الخاسر في المكان الخطأ. كان يحاول تفادي الشتائم وبعض الأيادي التي بدأت تنهال عليه من أكثر من اتجاه، قبل أن يتفلّت مسرعًا نحو بوابة الخروج.
استمر الأمر دقائق قليلة، لكنها كانت كافية لتغيير جغرافيا المكان. بقيت مع مجموعة صغيرة قرب المسرح، ثم بحثت عنها. لم تكن هناك. ولا في أي مكان آخر. جُلت بنظري في المكان طولًا وعرضًا، بحثًا عن لون الفستان الأنيق الذي كانت ترتديه، لكن دون جدوى. لم أجد لها أثرًا، ولا حتى فستانًا بلون قريب. هل كان الأمر محض تهيؤات؟ خشيت أن أسأل من حولي عنها، فيجيبوني بأنهم لم يروا فتاة بالمواصفات التي أصفها. اختفت كما ظهرت فجأة. لكن كلماتها ما زالت ترن في أذني حتى هذه اللحظة: “نحن اتلاقينا وين قبل الليلة؟”..
#ملف_الهدف_الثقافي #هيثم_الشفيع #الثورة_السودانية #قصص #السودان

Leave a Reply