19 ديسمبر… اليوم الذي علَّمنا كيف نقف

صحيفة الهدف

بقلم : سلمى نايل

في مثل هذا اليوم، 19 ديسمبر، لم يخرج  السودانيون ليحتفلوا، بل خرجوا ليقولوا الحقيقة عارية، بلا زينة ولا خوف. خرجوا لأن الصمت صار خيانة، ولأن الوطن كان ينزف بما يكفي ليصرخ عبر حناجر أبنائه.

19 ديسمبر ليس تاريخًا يُكتب في الهامش، بل جرحًا مفتوحًا في ذاكرة السلطة، ووسامًا على صدر شعبٍ قرر أن يستعيد اسمه بعد أن حاولوا طمسه.

في ذلك اليوم، لم يكن الناس متشابهين، لكنهم اتفقوا. لم تكن الشعارات واحدة، لكن القلب كان واحدًا. لم يكن الخروج ترفًا، بل ضرورة وجودية: إمّا وطن يليق بنا، أو حياة بلا كرامة.

خرجت المدن من صمتها، وخرج الريف من عزلته، وخرجت الأمهات وهنّ يخبئن الدعاء في الصدور، ويودعن أبناءهنّ على أمل أن يعودوا أحياء… أو أن يعود الوطن.

19 ديسمبر هو اليوم، الذي اكتشف فيه السوداني البسيط أنه أقوى من الخوف، وأن الطغيان – مهما طال – هشٌّ أمام إرادة شعب أعزل إلا من إيمانه بحقه.

هو اليوم الذي انكشفت فيه السلطة على حقيقتها: لا وطن لها، ولا قلب، ولا ذاكرة. والرصاص الذي وُجِّه إلى الصدور لم يكن سوى اعتراف صريح بعجزها.

في 19 ديسمبر، لم يسقط الشهداء وحدهم، سقط القناع. سقطت الأكاذيب الكبيرة عن الأمن والاستقرار، وسقط وهم أن الشعوب تُحكم إلى الأبد بالقهر.

ومنذ ذلك اليوم، تغيّر كل شيء. لم يعد المواطن كما كان، ولم تعد السلطة كما تظن. صار السؤال أكبر من الأشخاص، وأعمق من الحكومات: كيف نحمي حلمنا من السرقة؟ وكيف نصون دماء من كتبوا الطريق بأجسادهم؟

اليوم، وبعد كل هذا الخراب، وبعد أن حاولوا اغ. تيال الثورة بالح. رب، وبالتجويع، وبالخذلان، نقولها بوضوح: الثورة لم تمت.

الثورة ليست سلطةً فشلت، ولا مرحلةً تعثرت، الثورة وعيٌ لا يُقصف، وذاكرة لا تُهزم.

19 ديسمبر باقٍ، لأن أسبابه باقية. باقٍ لأن الظلم ما زال قائمًا. باقٍ لأن الأمهات ما زلن ينتظرن عدالة. باقٍ لأن الوطن لم يُسترد بعد.

في هذا اليوم، لا نرفع الشعارات فقط، بل نراجع أنفسنا: هل كنّا أوفياء للحلم؟ هل حمينا الثورة من أعدائها… ومن أخطائنا؟

المجد للشهداء، لا بوصفهم ذكرى، بل بوصفهم عهدًا. والعار لكل من تاجر بالثورة، أو صمت عن الحق، أو ساوم على الوطن.

19 ديسمبر ليس يومًا للبكاء، بل يومًا للوقوف مجددًا. فالثورات التي لا تُجدَّد، تُدفن. أما ثورة ديسمبر… فقد تعلّمت كيف تنهض، ولو من تحت الركام.

ولأن 19 ديسمبر لم يكن لحظة عابرة، بل مسارًا طويلًا، فإن خيانته لا تكون بالنسيان وحده، بل بالاعتياد. أخطر ما يمكن أن يصيب الثورة أن تصبح ذكرى تُستدعى في المناسبات، وتُغلق بعدها الأقواس.

الثورة وُلدت لتستمر، لا لتُرضي. لتُحاسِب، لا لتُبرِّر. لتكشف القبح أينما كان،  حتى لو لبس ثوب الوطنية.

من خرجوا في 19 ديسمبر لم يخرجوا ليصنعوا نخبة جديدة، بل ليكسروا فكرة النخبة نفسها. خرجوا ليقولوا إن هذا الوطن ليس مزرعة، ولا غنيمة، ولا صفقة سياسية، بل حقٌ مشاع لمن يدفع ثمنه تعبًا ودمًا وصبرًا.

واليوم، حين تتزاحم البنادق على جسد السودان، وحين تُستباح المدن ويُهجَّر الناس، نفهم أكثر لماذا كانت الثورة ضرورة، ولماذا ما زالت كذلك. فالح. رب افتعلت لوأد الثورة،  وخيانة أهدافها.

كل رصاصة اليوم هي سؤال مؤجل من ديسمبر: من يحكم هذا البلد؟ ولصالح من؟ وبأي حق؟

لن نغسل أيدينا من الثورة بالحياد، ولن ننقذ الوطن بالصمت. فالتاريخ لا يرحم المتفرجين، ولا يمنح البراءة لمن رأى الج. ريمة واختار السلامة.

19 ديسمبر يطالبنا الآن بأكثر من الهتاف: يطالبنا بالوضوح. بالموقف. وبالانحياز الكامل للمواطن البسيط، الذي دفع الثمن مرتين: مرة باسم الثورة، ومرة باسم الح. رب.

هذا اليوم ليس ملكًا لحزب، ولا لقيادة، ولا لمنصة إعلامية. هو ملك لأولئك الذين مشوا حفاة في الشوارع، وواجهوا الرصاص بصدور عارية، وحلموا بوطنٍ عادل لا يحتاج فيه الإنسان إلى واسطة ليعيش بكرامة.

سيحاولون إعادة كتابة القصة، سيقولون إن الثورة أخطأت، وإن الشارع ساذج، وإن القمع كان ضرورة. لكن الحقيقة عنيدة: الشعوب لا تثور عبثًا، ولا تموت صدفة.

في 19 ديسمبر، كتب السودانيون سطرًا لا يُمحى: أن هذا الشعب، مهما أُنهك، لا يقبل الذل.

فليكن هذا اليوم موعدًا مع أنفسنا: إما أن نكمل الطريق، أو نعترف أننا خذلنا دمًا لا يزال ساخنًا.

المجد للشهداء… والنصر للوعي… والسودان، رغم كل شيء، سيقوم.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.