أمجد السيد
لم يكن الطريق إلى الدعوة لوقف الح.رب في السودان معبّدًا بالقبول أو التفهّم، بل كان محفوفًا بحملات تخوين شرسة، واتهامات جاهزة، ومزايدات وطنية جوفاء، سعت منذ اللحظة الأولى إلى تصوير كل صوت ينادي بإنهاء الق.تال بوصفه صوتًا مهزومًا أو متواطئًا أو خارجًا عن الصف الوطني. ومع ذلك، ظل هذا الموقف ثابتًا، لم يتزحزح، ولم يساوم، ولم ينكسر.
لقد واجه أنصار وقف الح.رب ماكينة منظمة لإسكاتهم، استخدمت فيها مفردات التخوين بدل الحُجج، والتشكيك بدل النقاش، والاصطفاف الأعمى بدل التفكير النقدي. غير أن هذه الحملات، على شدتها، لم تفلح في كسر جوهر الفكرة، لأن الدعوة لوقف الح.رب لم تكن موقفًا تكتيكيًا أو مناورة سياسية، بل تعبيرًا صادقًا عن وعي أخلاقي ووطني يدرك أن استمرار الح.رب لا يُنتج نصرًا، بل يُراكم الخراب، ويفكك المجتمع، ويقضي على ما تبقى من الدولة.
الثبات على هذا الموقف لم يكن سهلاً. فقد دفع أصحابه أثمانًا معنوية باهظة، وتعرضوا للتشويه والعزل، بل وللإقصاء الرمزي من المجال العام. لكنهم أدركوا أن الانحياز للحياة، وللسلام، ولحق المدنيين في الأمان، هو المعيار الحقيقي للوطنية، وليس ترديد شعارات الح.رب أو التماهي مع خطاب العنف.
ومع مرور الوقت، بدأت الحقائق تفرض نفسها. اتسعت دائرة الدمار، وتعمقت المأساة الإنسانية، وتكشفت أوهام الحسم العسكري، لتجد الأصوات، التي كانت تُخوَّن بالأمس نفسها اليوم في قلب النقاش العام، بعد أن أثبتت الوقائع صحة تحذيراتها، وعدالة موقفها. لم يكن هذا انتصارًا لأشخاص أو تيارات، بقدر ما كان انتصارًا للعقل، وللبصيرة، وللرؤية، التي وضعت مصلحة الوطن فوق صخب اللحظة.
إن انتصار الموقف الداعي لوقف الح.رب لا يعني نهاية المعركة، لكنه يؤسس لتحول نوعي في الوعي العام، يُعيد الاعتبار للسياسة بوصفها فعلًا عقلانيًا، ويُضعف منطق التعبئة العمياء، ويفتح الباب أمام مشروع وطني جامع، قوامه السلام والعدالة واستعادة المسار المدني الديمقراطي.
في المحصلة، أثبتت هذه التجربة أن حملات التخوين، مهما بلغت قسوتها، لا تستطيع هزيمة موقف يستند إلى الحقيقة، ولا إسكات صوت يحمل همّ الوطن بصدق. فالتاريخ لا ينحاز للضجيج، بل لمن صبروا على الاتهام، وتمسكوا بالمبدأ، واختاروا أن يقفوا في صف الحياة، حتى حين كان ذلك هو الخيار الأصعب.

Leave a Reply