عندما اتفق الجنرالان على حماية النفط… وترك الناس يموتون

صحيفة الهدف

بقلم د. ابن عوف أحمد

في الأسبوع الأول من ديسمبر الجاري، أعلنت حكومة جنوب السودان توصلها إلى اتفاق ثلاثي غير مسبوق بين الرئيس سلفاكير ميارديت، ورئيس مجلس السيادة  عبد الفتاح البرهان، وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي”. الاتفاق ينص على تحييد حقل هجليج النفطي في ولاية غرب كردفان تمامًا من العمليات الق-تالية، وانسحاب الجيش السوداني وخروج قوات الدعم السريع من محيط المنشآت النفطية، ليحل محلهما جيش دفاع شعب جنوب السودان، الذي سيتولى المسؤولية الأمنية الكاملة. وصف رئيس هيئة أركان جيش جنوب السودان، الفريق بول نانق، الاتفاق بأنه يهدف إلى حماية “شريان حياة اقتصادي ليس لجنوب السودان فحسب، بل للسودان أيضًا”. حقل هجليج يضم خمسة وسبعين بئرًا نفطيًا وينتج نحو عشرين ألف برميل يوميًا من النفط السوداني، بالإضافة إلى محطة معالجة مركزية لنحو مئة وثلاثين ألف برميل من نفط جنوب السودان. وتمتد خطوط الأنابيب النفطية من هجليج على مسافة ألف وستمائة كيلومتر عبر الأراضي السودانية حتى ميناء بشائر على البحر الأحمر، مما يجعل من الحقل مصدرًا حيويًا لإيرادات الدولتين.

المفارقة المريرة تكمن في التوقيت والأولويات. بينما كان الجنرالان المت-حاربان يتبادلان التهاني على تأمين آبار النفط، كانت مدينة الفاشر تشهد واحدة من أبشع الكوارث الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. سقطت الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في يد قوات الدعم السريع في الثالث والعشرين من أكتوبر الماضي، بعد حصار استمر خمسمائة وأربعين يومًا تحولت خلالها المدينة إلى جزيرة معزولة. منعت قوات الدعم السريع وصول أي قوافل إغاثة أو مواد غذائية، وبات السكان يقتاتون على علف الحيوانات المعروف محليًا بـ”الأمباز”. وحذرت منظمات دولية من مجاعة وشيكة، فيما وثقت الأمم المتحدة سقوط آلاف المدنيين، عشرون بالمئة منهم من الأطفال. خلال أسبوع واحد من سقوط المدينة، نزح أكثر من سبعين ألف شخص من الفاشر والقرى المحيطة بها، حسب المنظمة الدولية للهجرة. وصلت موجات النازحين إلى قرية طويلة ، حيث يفترشون الأرض في العراء وتحت ظلال الأشجار، دون أدنى مقومات الحياة.

السؤال المشروع الذي يطرح نفسه بإلحاح: إذا كان الجنرالان قادرين على التوصل إلى اتفاق ثلاثي لحماية خمسة وسبعين بئرًا نفطيًا في هجليج، فلماذا عجزا عن التوصل إلى اتفاق مماثل لحماية مئات الآلاف من البشر في الفاشر وبارا وبابنوسة؟ لماذا حظيت محطة المعالجة النفطية بحياد تام وحماية دولية، بينما تُرك الأطفال والنساء وكبار السن يواجهون الموت جوعًا وقصفًا واغتصابًا؟ الإجابة تكشف عن حقيقة مؤلمة: المصالح الاقتصادية طغت على القيم الإنسانية. فجنوب السودان يعتمد بشكل شبه كامل على عائدات النفط، التي تشكل تسعين بالمئة من ميزانيته، والسودان يحصل على رسوم عبور النفط عبر أراضيه. وقف تدفق النفط يعني انهيارًا اقتصاديًا لكلا البلدين، وهذا ما جعل حماية هجليج أولوية مطلقة. أما البشر، فلا قيمة اقتصادية مباشرة لهم في معادلة الح-رب. كانت الفاشر تستحق اتفاقًا ثلاثيًا قبل هجليج بكثير. كان مئة وثلاثون ألف طفل معرضون للخطر في الفاشر يستحقون الحماية، التي حظيت بها مئة وثلاثون ألف برميل نفط في هجليج. وكان الأولى بالجنرالين أن يوقفا القت-ال لإنقاذ الأرواح قبل أن يوقفاه لإنقاذ الآبار.

يتحمل كل من البرهان وحميدتي المسؤولية الكاملة عن هذه المفارقة المأساوية. كلاهما أثبت أن بإمكانه التفاوض والتوصل إلى اتفاقات عندما تكون المصلحة الاقتصادية على المحك. كلاهما أظهر استعدادًا للتنسيق مع جهات إقليمية ودولية عندما يتعلق الأمر بتأمين موارد الطاقة. لكن حين يتعلق الأمر بحياة المدنيين، يتبادلان الاتهامات ويواصلان القت-ال دون اكتراث. اتفاق هجليج يثبت أن الإرادة السياسية موجودة، وأن القدرة على التوصل إلى تسويات متاحة، وأن الوسطاء الإقليميين والدوليين قادرون على التدخل بفعالية. لكن كل ذلك يحدث فقط عندما تكون المصالح الاقتصادية مهددة، وليس عندما تكون الأرواح البشرية في خطر.

لا يقتصر الفشل على الجنرالين فحسب، بل يمتد إلى المجتمع الدولي، الذي أظهر لامبالاة مخزية تجاه المأساة السودانية. وصف توم فليتشر، كبير مسؤولي الإغاثة في الأمم المتحدة، الوضع بقوله إن ما يحدث في الفاشر يذكّر بأهوال دارفور قبل عشرين عامًا، لكن رد الفعل العالمي اليوم هو “رد فعل استسلام وأزمة لامبالاة”. تشير التقديرات إلى أن نحو ستين ألف شخص ق-تلوا في الفاشر خلال شهر واحد فقط، ومئة وخمسين ألفًا في عداد المفقودين. هذه الأرقام المرعبة لم تحرك ساكنًا في مجلس الأمن الدولي، ولم تدفع القوى الكبرى للضغط على أطراف النزاع. بل إن بعض الدول واصلت إمداد المت-حاربين بالأسلحة، في انت-هاك صارخ لقرارات مجلس الأمن.

اتفاق هجليج ليس إنجازًا، بل فضيحة أخلاقية. إنه شهادة دامغة على انحطاط منظومة القيم، التي تحكم الصراع في السودان.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.