م/ عادل أحمد محمد
إلى روحٍ إذا ذُكرت سكن الضجيج، وإذا غابت ازداد الحضور
عبد القادر سالم لم يكن عابرًا في سيرة الفن، بل كان مقامًا من مقامات الطمأنينة؛ كلما وصلته القلوب استراحت، وكلما مرّ اسمه خفّ الحمل عن الأرواح. كان من أولئك، الذين لا يرفعون أصواتهم، لكن الحياة تصغي لهم، لأنهم يتكلمون بلغة الفعل لا الادعاء، وبصدقٍ لا يحتاج شاهدًا.
لم يكن فنانًا يطلب الضوء، بل كان الضوء يتبعه حيثما مضى. نظيف اليد، نقي السريرة، كأنما تربّى في حضن الدعاء، ومشى في الدنيا محروسًا بالقبول. لم يعرف الناس عنه إلا الجميل، ولم تحفظ الذاكرة له إلا البياض، وكأن الخصومة لم تجد إليه سبيلًا، وكأن الأذى كان يستحي أن يطرق بابه.
عرف معنى القيادة، فزهد في كرسيها، وأدرك أن العظمة الحقة لا تُرى من أعلى المنابر، بل تُلمس في انحناءة القلب على وجع الآخرين. اختار أن يكون سندًا لا عنوانًا، وجسرًا لا لافتة، وحين اصطفّ كثيرون في المقدمة، كان هو في الخلف يدفع الصف كله إلى الأمام.
كان ابن المكان بعمق الجذور، وحين غنّى للعالم لم يخلع ترابه، بل حمله معه. آمن أن الفن لا يصير عالميًا إلا إذا خرج صادقًا من الحارة، من الفرح البسيط، من دمعة الأم، ومن زغاريد البيوت الفقيرة. لذلك وصل صوته بعيدًا، لأنه خرج قريبًا من الناس.
لم تصنعه النجومية، ولم تغيّره المسارح. ظل كما هو: إن جلس مع المبدعين جمعهم، وإن جلس مع العامة ذاب فيهم. لا حواجز، لا أقنعة، لا مسافة بينه وبين القلب. يغني فيتحول الغناء إلى دعاء، ويفرح فيصير الفرح معنى أخلاقيًا، كأن الفن عنده مسؤولية، وكأن الجمال أمانة.
كان حلقة وصل نادرة، سبحة محبة لا تنقطع، يجمع المختلفين بخيط إنساني واحد، ويصل ما انقطع بلا ضجيج. حضر حيث غاب الآخرون، ولبّى النداء حين تراجع الكثيرون. من فرحٍ بسيط إلى سرير مرض، من حاجة خفية إلى بابٍ موصد، كان يمشي بخفة الدراويش وثبات العارفين، يعطي ولا ينتظر، ويبتسم كأن العطاء مكافأته الوحيدة.
عبد القادر سالم لم يكن صوتًا فقط، كان ميزانًا. ميزانًا يُذكّر أن الفن بلا إنسانية ناقص، وأن الجمال إذا لم يُنقذ قلبًا فهو ترف. كان درويشًا أُلقي في ساحة الفن ليعيد ترتيب القيم، ويهمس في أذن الزمن: ما زال الخير ممكنًا.
رحل اليوم جسدًا، وبقي أثرًا. بقي معنى يمشي بيننا، ودرسًا في كيف يكون الإنسان فنانًا دون أن يفقد إنسانيته، وكيف يكون كبيرًا دون أن يتعالى. وفي المراسي، لا نبكي من صاروا علامات، بل نشكرهم لأنهم دلّونا على الطريق.
عبد القادر سالم ليس ذكرى تُستعاد، بل مرسى نلوذ به كلما اشتد الموج، وصوت داخلي يهمس:
ما دام في الناس مثل هذا النقاء… فالعالم، مهما قسا، ما زال بخير .

Leave a Reply