نجاح ديسمبر: القوى السياسية، الاجتماعية، الجماهيرية، الشباب، المرأة والبعث ……

صحيفة الهدف

قلم: ماجد الغوث

لم تكن ثورة ديسمبر 2018 في السودان مجرّد انفجار غضب اجتماعي ناجم عن شحّ الخبز والوقود، ولا حدثًا عابرًافرضته لحظة اقتصادية خانقة، بل كانت ــ في عمقها ــ تحوّلًا في الوعي الجمعي، وإعادة تعريف لمعنى الفعل الثوريفي زمن انهيار الدولة القطرية العربية، وتآكل شرعيتها الاجتماعية، وانكشاف مشروعها التنموي والسيادي.

لقد بدأت ديسمبر من الهامش، من الألم اليومي البسيط، لكنها سرعان ما ارتقت من مستوى الاحتجاج المعيشي إلىسؤال الدولة، ووظيفة السلطة، ومعنى العدالة. وهنا تحديدًا يكمن سرّ نجاحها النسبي: أنها لم تُختزل في قيادةواحدة، ولا في حزب واحد، ولا في أيديولوجيا مغلقة، بل تشكّلت كـ تحالف تاريخي غير معلن بين قوى اجتماعيةوفكرية وتنظيمية: الأحزاب ذات الإرث النضالي، النقابات، النساء، والشباب المسلحين بالوعي الرقمي.

أولًا: ديسمبر كنجاح تاريخي لا كـ (نهاية منجزة): الحديث عن نجاح ديسمبر لا يعني إنكار التعثرات، ولا تجاهلالانكسارات اللاحقة، بل يستند إلى فهم أعمق لمعنى النجاح الثوري. فالثورات لا تُقاس فقط بقدرتها على الاستيلاءعلى السلطة، بل بقدرتها على كسر منطق الخوف، وتفكيك شرعية الاستبداد، وإعادة تعريف الممكن السياسي.

بهذا المعنى، نجحت ديسمبر لأنها:

أسقطت نظامًا كان يبدو عصيًّا على السقوط.

أعادت الجماهير إلى مركز الفعل بعد عقود من التهميش،

وأثبتت أن الشارع، حين يمتلك وعيه وتنظيمه، قادر على صناعة التاريخ.

ثانيًا: حزب البعثمن الأيديولوجيا إلى الحضور العضوي:  لم يكن دور حزب البعث العربي الاشتراكي في ديسمبردور القيادة المطلقة، ولا الدور الأبرز إعلاميًا، لكنه كان دورًا نوعيًا لا يمكن تجاهله. فقد حضر الحزب بوصفه:

حاملًا لفكرة الوحدة الوطنية في مواجهة التفتيت.

ومُذكّرًا بأن الأزمة السودانية ليست معزولة عن أزمة عربية أشمل.

وناقلًا لمفهوم العدالة الاجتماعية من كونه مطلبًا معيشيًا إلى كونه قضية سيادة وتنمية وقرار وطنيمستقل.

شارك حزب البعث في ديسمبر عبر:

أ‌. كوادر الحزب في تنظيم اعتصامات في عدة محليات، وفق ما وثقته تقارير منظمات المجتمع المدني.

ب‌. بناء جسور التواصل بين القوى السياسية.

ت‌. والدفع باتجاه انتقال مدني لا يُعيد إنتاج الدولة الأمنية.

ث‌. تنظيم اعتصامات في 17 محلية بالخرطوم بحلول يناير 2019.

ج‌. إصدار 24 بيانًا خلال الفترة من ديسمبر 2018 إلى أبريل 2019 تدعو لوحدة القوى الثورية.

ح‌. تنظيم ورش عمل في 8 ولايات حولالدولة المدنية والعدالة الانتقالية.

خ‌. المشاركة في تأسيس (تجمع المهنيين السودانيين) الذي ضم 17 نقابة مهنية

ثالثًا: النقاباتحين تستعيد الطبقة العاملة صوتها: إذا كان الشارع هو قلب ديسمبر، فإن النقابات كانت عقلهاالتنظيمي. فقد لعبت التجمعات المهنية والعمالية دورًا حاسمًا في تحويل الغضب العفوي إلى فعل منظم، وفي ربطالمطالب السياسية بجذورها الاجتماعية. النقابات لم ترفع فقط شعارات الحرية، بل أعادت طرح سؤال:

من يملك الثروة؟

من يقرر الأجور؟

من يدفع ثمن الفساد؟

وبذلك أعادت الاعتبار للفكرة التي حاولت الأنظمة طمسها: أن الديمقراطية بلا عدالة اجتماعية وهمٌ قابل للانهيار،وأن الدولة، التي لا تحمي عمالها وموظفيها لا تملك شرعية الاستمرار.

فالأرقام تكشف حجم الدور النقابي:

أ‌. إضراب عام في 24-25 ديسمبر 2018 شارك فيه 78% من القطاع العام

ب‌. تجمهر 127 نقابة مهنية تحت مظلة (تجمع المهنيين) بحلول فبراير 2019

ت‌. إصدار 43 بيانًا مشتركًا بين النقابات والأحزاب خلال الأشهر الثلاثة الأولى

ث‌. تنظيم 156 وقفة احتجاجية أمام الوزارات والمؤسسات الحكومية

الدراسة الاستقصائية التي أجرتها (شبكة المنظمات النقابية) في مارس 2019 أظهرت أن 92% من المشاركين فيالاحتجاجات انضموا عبر تنظيماتهم النقابية أو المهنية.

رابعًا: المرأةالثورة حين تستعيد وجهها الإنساني: لم تكن المرأة السودانية في ديسمبرمشاركةبالمعنىالتقليدي، بل كانت فاعلًا مركزيًا في صياغة المشهد الثوري. حضورها في الصفوف الأمامية لم يكن كسرًا للصورةالنمطية فحسب، بل إعلانًا صريحًا أن الثورة، التي تُقصي نصف المجتمع محكوم عليها بالفشل. لقد جسّدت المرأةفي ديسمبر:

أ‌. شجاعة المواجهة.

ب‌. وعمق الوعي.

ت‌. وربط التحرر السياسي بالتحرر الاجتماعي والثقافي.

ومن هنا، لم تكن مطالبها مجرد قضايا جندرية، بل جزءًا من معركة أشمل ضد الاستبداد، وضد البنى التقليدية التيتبرّر القهر باسم العرف أو الدين أو (الخصوصية).

خامسًا: الميديا الرقميةمن كسر الحصار إلى صناعة السردية: في زمن السيطرة على الإعلام التقليدي، جاءتالميديا الرقمية لتكون سلاح ديسمبر الأشد فاعلية. لم تكن مجرد أداة لنقل الخبر، بل🙁 فضاءً للتنظيم، ومنصةلصناعة الرواية، ووسيلة لفضح العنف وكسر الرقابة).

لقد حوّلت وسائل التواصل الاجتماعي المواطن العادي إلى شاهد، والضحية إلى راوٍ، والشارع إلى منصة إعلاميةمفتوحة. ومع كل ما صاحب ذلك من فوضى ومعلومات مضللة، فإن الحقيقة الأهم أن الميديا الرقمية أنهت احتكارالسلطة للحقيقة.

الخاتمة: نجحت ديسمبر لأنها لم تكن ثورة نخبة، ولا انقلاب شارع، بل تحالف وعي وتنظيم وألم مشترك. وهي، بهذاالمعنى، ليست ملكًا للسودانيين وحدهم، بل جزء من المسار العربي الطويل في البحث عن🙁 دولة عادلة، سلطةخاضعة للمساءلة، واقتصاد يخدم الإنسان لا العكس).

أما فشل ما بعد ديسمبر، إن صح التعبير، فلا يعود إلى الثورة ذاتها، بل إلى قوى الردة، التي لم تتخلَّ عن امتيازاتها،وإلى غياب مشروع وطنيقومي متكامل يحمي المنجز الثوري من الارتداد.

ومع ذلك، تبقى الحقيقة الأهم🙁 أن ديسمبر لم تُهزم، لأنها تحولت من حدث إلى وعي، ومن لحظة إلى معيار، ومناحتجاج إلى سؤال مفتوح عن مستقبل السودان، ومستقبل الأمة العربية كلها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.