انتفاضة ديسمبر الثورية والعدالة الاجتماعية: حين يلتقي الحقّ الطبيعي بالمشروع القومي العربي

صحيفة الهدف

أ‌. طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

لم تكن انتفاضة ديسمبر الثورية في 2018 واقعةً سياسية عابرة في تاريخ السودان، ولا انفجارًا احتجاجيًا محليًامنفصلًا عن سياقه العربي الأوسع، بل كانتفي جوهرها العميقلحظة انكشاف تاريخي، التقى فيها الحقّالطبيعي للإنسان مع أحد أكثر الأسئلة مركزية في الفكر القومي العربي: كيف تُبنى الحرية إذا كانت العدالة الاجتماعيةغائبة؟

في الوعي القومي العربي، كما تبلور منذ ميشيل عفلق، ومرورًا بتجارب التحرر الوطني، لا تُختزل الحرية في إسقاطسلطة أو تغيير دستور، بل تُفهم بوصفها حالة متكاملة: تحرر سياسي، وعدالة اجتماعية، وسيادة اقتصادية، وكرامةإنسانية غير قابلة للمساومة. ومن هذا المنظور، فإن انتفاضة ديسمبر الثورية، لم تكن ثورة ضد الاستبداد السياسيفحسب، بل ثورة ضد تشوّه الدولة القُطرية الريعية، التي تخلّت عن وظيفتها الاجتماعية، وتحولت من أداة تنظيمللمصلحة العامة إلى وسيط لإعادة إنتاج الفقر والتفاوت والامتياز.

لقد خرج السودانيون إلى الشوارع وهم يدركونحدسًا قبل أن يكون تنظيرًاأن غياب الخبز ليس مسألة معيشيةمعزولة، بل تعبير مباشر عن غياب السيادة، وأن انعدام العدالة في توزيع الثروة لا يقل خطورة عن قمع الحريات.

هنا، التقت الهتافات البسيطة بجوهر الفكرة القومية العميقة: لا حرية بلا عدالة، ولا عدالة بلا تحرر من التبعيةوالفساد والاقتصاد الطفيلي.

لم يتعامل الفكر القومي العربي مع العدالة الاجتماعية بوصفها مطلبًا إصلاحيًا هامشيًا، بل باعتبارها الأساسالأخلاقي والسياسي للعقد الاجتماعي. فالاستقلال السياسي، إذا لم يُرفق بسيطرة وطنية على الموارد وبنظام عادللتوزيع الثروة، يتحول إلى استقلال شكلي، وتتحول الدولة إلى كيان بلا مضمون اجتماعي.

وديسمبر، في هذا السياق، أعادت طرح السؤال الجوهري حول وظيفة الدولة: هل هي دولة جباية أم دولة رعاية؟

هل هي جهاز أمني أم فضاء مواطنة؟ هل هي اقتصاد ريعي تابع أم اقتصاد إنتاجي يخدم المجتمع؟

هذه الأسئلة ليست سودانية فقط، بل هي أسئلة عربية بامتياز، لأنها تعكس مأزق الدولة القُطرية، التي فشلتفيمعظم التجاربفي بناء تنمية عادلة، حين تحالفت النخب الحاكمة مع رأس المال الطفيلي، أو ارتهنت لشروطالخارج، أو لجأت إلى الدين والطائفة والجهة كبدائل رخيصة عن العدالة والمواطنة.

وعند وضع انتفاضة ديسمبر الثورية في مرآة الثورات العربية، تظهر ملامح مشتركة وفوارق كاشفة. فكما في ينايرالمصرية، انطلق الغضب من القاع الاجتماعي: البطالة، الغلاء، تآكل الطبقة الوسطى، وانسداد الأفق. لكن انتفاضةديسمبر الثورية حملت منذ بدايتها وعيًا أكثر حذرًا تجاه إعادة إنتاج الدولة القديمة، وهو ما جعل خطابها أكثر تشككًافي التحالفات السطحية، وأكثر حساسية تجاه دور المؤسسة العسكرية والاقتصاد السياسي المرتبط بها.

ومع تونس، تشاركت انتفاضة ديسمبر الثورية الطابع السلمي والتنظيم القاعدي، لكنها استفادتولو جزئيًامندرس التجربة التونسية: أن الحرية السياسية إذا لم تُسند بمشروع اجتماعي واضح، تصبح هشّة وقابلة للارتداد تحتضغط الأزمات الاقتصادية.

أما في سوريا واليمن وليبيا، فقد تجلت المأساة العربية في صورتها الأقصى: حين تُترك الثورات بلا أفق اجتماعيجامع وبلا حماية سياسية وطنية، تتحول إلى حروب بالوكالة، وتُختطف من قوى طائفية ومليشياوية. وديسمبر، رغمتعثر مسارها، حاولت أن تؤكد فكرة مركزية: أن الثورة ليست ضد الدولة بوصفها فكرة، بل ضد تفريغ الدولة منمعناها الاجتماعي والوطني. والتحرري.

في بعدها القومي الأعمق، تُعيدنا انتفاضة ديسمبر الثورية إلى حقيقة طالما غُيّبت في الخطاب الرسمي العربي:

أن معركة العدالة الاجتماعية لا تُحسم داخل الحدود الضيقة للدولة القُطرية، بل في إطار مشروع عربي تحرريأشمل، يعيد الاعتبار للسيادة الاقتصادية، والتكامل بين الأقطار، والتحرر من أنماط التبعية التي جعلت الفقر العربيقدرًا مزمنًا.

إن ما يوحّد التجارب العربية ليس فقط الاستبداد السياسي، بل النموذج التنموي الفاشل، الذي همّش الإنسان، وبدّدالثروة، وحوّل الدولة إلى وسيط بين الخارج والنخب، لا بين السلطة والمجتمع. وديسمبر، بهذا المعنى، لم تكناستثناءً، بل لحظة وعي ضمن مسار عربي طويل يبحث عن صيغة عدالة مؤجلة.

إن استحضار انتفاضة ديسمبر الثورية اليوم ليس حنينًا إلى لحظة عاطفية، بل دفاعًا عن فكرة مركزية:

أن العدالة الاجتماعية ليست شعارًا ثوريًا مؤقتًا، بل شرط وجود لأي نهضة عربية ممكنة.

وأن الحرية، التي لا تُطعم، ولا تُعلّم، ولا تُداوي، تبقى حرية ناقصة، قابلة للارتداد أو الاختطاف.

إن انتفاضة ديسمبر الثورية، قالتبوضوح أخلاقي نادرما يجب أن يُقال عربيًا: إن الإنسان هو الغاية،

وإن الدولة وُجدت لخدمته لا لإدارته بالقهر، وإن الثورة حين تتعثر، لا تفشل لأن فكرتها خاطئة، بل لأن الطريق إلىالعدالة أطول وأكثر وعورة.

وما دام في هذه الوطن والأمة العربية من يطالب بحقه في الحياة الكريمة، فإن ديسمبركوعي، وكقيمة، وكبوصلةأخلاقيةلن تُهزم.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.