مؤيد الأمين
في السودان، لا تحتاج كثيرًا لتجد الإجابة عن السؤال البسيط: هل يتخرج طلاب كليات الموسيقى والدراما والفنون الجميلة وهم فنانون حقًا؟
المشهد يكفي للضحك، أو للبكاء، أو لكليهما في آن واحد. تكفي نظرة خاطفة على المناهج لتعرف أن الطالب يقضي أربع سنوات كاملة بين دفتي كتب صفراء عن تاريخ الفنون، محاضرات مطوّلة عن المدارس الكلاسيكية، أسماء يونانية قديمة، حركات أوروبية اندثرت، و(فلاسفة خشبة) لا علاقة لهم بسودان اليوم. وفي لحظة التخرّج، يُساق الطالب إلى الواقع الفني كما يُقاد جندي مبتدئ إلى معركة دون بندقية.
تاريخ الفن.. التاريخ وحده
تعليم الفن في هذه الكليات يشبه أن تُعطي طفلًا تاريخ الطائرات، ثم تقول له: “تفضل، اسحب طائرتك من المدرج”. فطالب الدراما يحفظ أسماء إسخيلوس ويوربيدس أكثر مما يعرف عن التصوير والإضاءة والإنتاج. وطالب الفنون الجميلة يستطيع أن يشرح لك ثلاث مدارس في السريالية، لكنه يفشل في إدارة استديو بسيط أو إنتاج لوحة تعكس نبض الشارع. وطالب الموسيقى يحفظ أسماء دافنشي وبتهوفن كأنها أختام دخول إلى (نادي الفن)، ولا يعرف كيف يبدأ مشروعًا موسيقيًا عصريًا يخاطب جمهورًا يعيش في القرن الواحد والعشرين، لا في عهد الإمبراطورية الهابسبورغية. إنها كليات تحوّل الطالب إلى كتالوغ تاريخي متحرك، لا إلى فنان قادر على الإنتاج.
المنهج.. محفوظات لا مهارات
مشكلة هذه البرامج أنها تشبه مخازن العتاد القديم، مليئة بالمعلومات والمرجعيات، لكنها خالية تمامًا من الأدوات العملية. لا ورش إنتاج حقيقية، لا تدريب على إدارة مشروع فني، لا تعلم لآليات السوق، ولا كيفية بناء منصة، أو صناعة جمهور، أو تطوير هوية فنية. لا علاقة بين ما يُدرّس وبين البيئة السودانية، ولا بين الفن واحتياجات المجتمع. هكذا يصبح خريج الفنون، في أفضل حالاته، حارسًا أمينًا لأساطير الإغريق، لكنه عاجز تمامًا عن كتابة مشهد مسرحي سوداني واحد، أو إنتاج عمل بصري يعكس قضايا حاضره.
سؤال يفرض نفسه: هل الأمر عفوي؟
يبدو أن هناك ما هو أكبر من سوء إدارة منهجي. هناك ما يشبه القصدية في تخريج أجيال معزولة تمامًا عن واقعها، لا تمتلك أدوات التأثير، ولا القدرة على تحويل الفن إلى قوة اجتماعية. فالفنان الفعلي هو الذي يوثق الواقع، ويقرأ مجتمعه، ويلتقط نبض الناس، ويقدّم لهم مرآة جديدة يعيدون عبرها فهم أنفسهم. لكن الكليات، بدلًا من ذلك، تُخرج فنانًا مشغولًا بالبحث عن بريخت وغرتوفسكي أكثر مما يبحث عن علاقة الفن بمجاعة في الريف السوداني، أو بح.رب في دارفور، أو بانهيار اجتماعي في المدن.
الفنان الذي يبحث عن أرسطو في بري..
المفارقة الساخرة أن الطالب بعد التخرج يبدأ رحلة غريبة: محاولة إسقاط الفلسفات الأوروبية على واقع سوداني لا يشبهها لا في البنية الاجتماعية، ولا في الثقافة، ولا في الظروف التاريخية. يحاول أن يخلق (سريالية سودانية) من دون أدوات، أو (واقعية جديدة)، وهو لا يعرف الآليات العملية لخلق مشهد درامي، أو (تجريب مسرحي)، وهو لم يُدرَّب على ضبط إيقاع ممثلين اثنين على منصة واحدة. والأدهى من ذلك، أنه يتخرج دون أن يتعلم لماذا يصنع الفن أصلًا.
الطالب.. ما بين المثالية الأكاديمية والفراغ العملي
يعيش خريج الفنون في السودان صراعًا غريبًا، بين وهم أنه فنان مثقف لأنه يعرف أسماء الفلاسفة الأوروبيين، وبين الواقع الذي يصرخ في وجهه بأنه لا يمتلك مهارة واحدة يحتاجها الناس حوله. فالمجتمع لا ينتظر منه محاضرة عن ستانسلافسكي، بل ينتظر منه عملًا يبكيه أو يفرحه، يفتح عينه، أو يحرك ضميره. لكن الخريج، للأسف، لا يمتلك الأدوات، ولا المنهج، ولا التدريب ليقدم ذلك. لذلك يمشي عشرات الخريجين في مسار واحد: فراغ فني يطارد فراغًا اجتماعيًا.
هل يمكن إصلاح هذا؟
بالطبع، لكن ذلك يحتاج إلى إعادة بناء المناهج من الصفر، وتحويل التعليم إلى خبرة عملية حقيقية، مع التركيز على إنتاج الفن لا على حفظ تاريخه، وربط الطالب بالمجتمع لا بمجلدات الكتب وحدها. كما يتطلب تدريب الطلاب على إدارة المشاريع الفنية الحديثة، وخلق شراكات مع الفرق، والاستديوهات، والقنوات، ومراكز الإنتاج، وغرس فكرة أن الفن ليس مادة أكاديمية، بل مهنة وموقف ومعركة ووعي.
الخلاصة الساخرة جدًا
إن تخرجت من كلية الموسيقى والدراما أو الفنون الجميلة في وضعها الحالي، فهذا لا يجعلك فنانًا، يجعلك أرشيفًا يمشي على قدمين. يجعلك تعرف كل شيء عن ماضي الفن، ولا شيء عن مستقبلك أو مستقبل مجتمعك. والفن، يا عزيزي الطالب، ليس بحثًا عن بريخت في سوق أم درمان، ولا عن أرسطو في شارع الجمهورية. الفن هو أن تعثر على نفسك أولًا، وعلى مجتمعك ثانيًا، وعلى رسالتك أخيرًا. وحتى يحدث ذلك، ستظل هذه الكليات تُخرّج أجيالًا لا تصنع فنًا، بل تصنع مسافة بين الفنان وواقعه.
#ملف_الهدف_الثقافي #كليات_الفنون #أزمة_المناهج #الفن_السوداني #التعليم_التطبيقي #فنان_افتراضي

Leave a Reply