محمد عزوز
كانت صباحاتٌ مسمومة،
تلك التي شوَّهت طعمَ البلادِ في الفم.
كان الجندي، بخوذته السوداء،
وأنفه التي تترصّد رائحةَ العطر في ابتساماتنا،
ويده التي تسحب من البنطال
أولى صرخاتنا الليلية،
مغروسًا في الخيال
كخوفٍ تبيعه الأرصفةُ بأسعارٍ مجروحة.
فركضنا.. أمام البنادق،
نُخبّئ نساءنا كالتُّهم،
نُخبّئ بلادنا كمهاجرين
لم يُكملوا أوراقَ ولادتهم من الأسلحة،
نُخبّئ أحزانَنا
كأطفالٍ غير شرعيّين
في محكمة أسماء.
لقد كانت صباحاتٍ مسمومة،
تلك التي علّقتنا كالساعات على المعاصم،
وأوقفتْنا طويلًا في الطرق غير المؤدّبة،
كراياتِ حرب،
وأشجارٍ مُستعارةٍ من غابةٍ مُفلسة.
وشاهدنا من هناك
جُمهرةَ ظلالٍ متجمِّعة في مكاتب تفتيش،
تبحث عن أجسادها التي رحلت إلى الحرب،
وأخرى هربت نحو طينها القديم في قرى الآلهة،
وأخرى اكتفت من مشاركة المكان
مع ظلالٍ
لا تملك الشجاعة لترافقها في الأزقة المظلمة.
يا بلادًا تحتسي لفافاتِ تبغها
في أجسادنا،
تأكل من بطوننا الخيالَ الحار،
تركض بأرجلِنا على الجمر..
لقد كانت صباحاتٍ مسمومة،
تلك التي شاركتني الشرفة
وأنا أخلع عني الجسدَ المتآكل كالصمت،
وأَنحني لأقبّل أُرنبةَ أذن حبيبتي،
وأتشبّث بنهديها كالغريق،
وأضمُّها،
بينما الصباح في الخارج
كحارسِ زنزانةٍ شرير
يصفع الأبوابَ والنوافذَ والقلوب.
لقد كانت صباحاتٍ مسمومة،
تلك التي قدّمتْنا حتى المقبرة،
وعادت لتجمع أصحابَنا
من مخابئهم في أثداء الحبيبات.
#ملف_الهدف_الثقافي

Leave a Reply