قلم: ماجد الغوث
في 5 ديسمبر 2025 أصدر مكتب الحركة الجماهيرية لحزب البعث العربي الاشتراكي بيانًا جماهيريًا رفض فيه ما يجري سياسيًا داخل مشروع الجزيرة من محاولات لطمس تاريخ ونضالات مزارعي الجزيرة والمناقل. واعتبر البيان أنّ ما يتم تحت لافتة “انتخابات مزارعي الجزيرة والمناقل” ليس سوى امتداد لنهج الكلفتة والاستهبال السياسي، الذي تقوده الجماعة المتأسلمة، في محاولة لتفريغ التجربة النقابية التاريخية من مضمونها وإعادة إنتاج السيطرة على المشروع ومقدّراته.
فالبيان – في جوهره – أعاد التذكير بأن الاتحاد الزراعي في الجزيرة لم ينشأ صدفة، بل هو ثمرة تجربة تاريخية متجذّرة، مرّ عبر أربع مراحل مفصلية شكّلت وعي المزارعين، ومهّدت لواحدة من أعرق التجارب النقابية في السودان.
أولًا: المراحل التاريخية لنشوء اتحاد المزارعين
المرحلة الأولى (1946–1947): البداية كرد فعل على الاستغلال الاستعماري
بدأت القصة في عام 1946، كرد فعل مباشر على سياسات الاستغلال، التي مارسها الاستعمار الإنجليزي، فكان أوّل إضراب عن زراعة القطن.
وفي عام 1947 تشكّلت أول هيئة نقابية للدفاع عن مصالح المزارعين، إيذانًا بولادة الوعي النقابي الزراعي المنظّم.
المرحلة الثانية (1952): التحوّل إلى هيئة مزارعي الجزيرة
تأثرًا بالتطورات السياسية والاجتماعية في بداية الخمسينيات، تطورت الهيئة إلى هيئة مزارعي الجزيرة، وأصبحت مستقلة عن إدارة المشروع، تستمد شرعيتها من انتخابات مباشرة تؤكد دور المزارعين في إدارة شؤونهم بأنفسهم.
المرحلة الثالثة (1953): اعتصام مدني وتأسيس الاتحاد
في 29 ديسمبر 1953 شهدت مدينة ود مدني اعتصامًا تاريخيًا للمزارعين، شكّل نقطة تحول مركزية.
أسفر الاعتصام عن تأسيس اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل بدستور جديد استوعب التحولات الاجتماعية والاقتصادية والنقابية آنذاك. كانت تلك اللحظة إعلانًا لولادة كيان نقابي يمتلك رؤية، ويمثل قوة ضغط حقيقية في مواجهة السلطة التنفيذية.
المرحلة الرابعة (1953–1956): النشاط السياسي والاقتصادي
امتدت هذه المرحلة حتى عام 1956، وتميّزت بنشاط سياسي واقتصادي واسع، مدعوم من القوى المدنية آنذاك. وبدأ خلالها الاتحاد في ترسيخ دوره في:
تحسين الشروط الاقتصادية والاجتماعية للمزارعين
المشاركة السياسية
الدفاع عن الحقوق الإنتاجية
وأقرّ مجلس الوزراء بأهمية الاتحاد كممثل شرعي للمزارعين.
ثانيًا: تأثيرات ح-رب أبريل على مشروع الجزيرة
لم تكن الح-رب مجرّد حدث عسكري، بل كانت كارثة متعددة الأبعاد ضربت قلب المشروع وأعمدته الأساسية.
1. التأثيرات الإدارية
تدهور الإدارة وغياب التخطيط
أدت الح-رب إلى إضعاف الإدارة وانهيار منظومة المتابعة، مع غياب الدور الرقابي للاتحاد الشرعي.
الفساد الإداري وسوء الإدارة
ساهم في انهيار نظام الري وتراجع الإنتاجية إلى مستويات خطيرة.
قانون 2005 وتفكيك نظام الشراكة
حوّل المزارعين إلى “مُلّاك مستقلين”، ما أضعف مركزية إدارة المشروع وأربك تنظيمه التاريخي.
تعقيدات أمنية
بعد سيطرة الدعم السريع على أجزاء واسعة من المشروع، اختلّت المنظومة الإدارية والأمنية تمامًا.
2. التأثيرات الفنية الزراعية
انخفاض المساحات المزروعة
تراجعت من 1.1 مليون فدان إلى 505 آلاف فدان فقط.
انهيار الإنتاجية الزراعية
تراجعت إلى 37% من إجمالي المساحات المهيّأة للزراعة.
تدمير البنية التحتية
توقف الصيانة للقنوات الرئيسية والفرعية، وازدادت التعديات على الأراضي والمرافق.
وقد قُدِّرت الخسائر الكلية لمشروع الجزيرة بنحو 20 مليار دولار.
3. أثر الح-رب على الأمن الغذائي
تسبب توقف الإنتاج الزراعي في ارتفاع معدلات الفقر والعوز لدى آلاف الأسر.
تأثر الاقتصاد الوطني بشدة نتيجة غياب مساهمة المشروع في الأمن الغذائي وفي حصيلة الصادر.
الخلاصة: إن التجربة النقابية التي تراكمت منذ 1946 ليست مجرد هيكل تنظيمي، بل إرث إنساني–اجتماعي تشكّل من العرق والوعي والصراع، وصنعته أجيال من المزارعين الذين نسجوا مشروع الجزيرة بجهدهم وكرامتهم.
ولذلك، فإن أي محاولة لتجاوز هذا الإرث أو القفز عليه تحت لافتة “انتخابات” لا تستند إلى التاريخ ولا إلى الشرعية التنظيمية، إنما هي محاولة محكوم عليها بالفشل من البداية—سواء على المستوى الإنتاجي أو النقابي.
إن مشروع الجزيرة لا يُبنى بالكلفتة، ولا بإعادة تدوير نخبة سياسية فاشلة، بل يُبنى باحترام تاريخه والنظر إليه كقضية وطنية تتجاوز حدود الممارسة الحزبية الضيقة.

Leave a Reply