علم البرهان… وسياسة “غيّر الموضوع”!

صحيفة الهدف

بين الأزرق الذي يشبه حَلَمات النيل، والأصفر الممتد كصبر السودانيين، والأخضر الذي لم يبقَ منه سوى ما نردّده في الأغاني… كان علم الاستقلال لعام 1956 أول راية رفرف تحتها السودان المستقل. علمٌ بسيط، مباشر، ومعبّر عن جغرافيا البلاد الطبيعية.

لكن حين جاء التغيير في سبعينيات القرن الماضي، لم يكن مجرد تبديل ألوان، بل خطوة سياسية مقصودة، ومعقولة، ومتسقة مع المزاج العربي العام آنذاك. فالعلم الحالي لم يُفرض عبثًا، بل جاء ضمن مشروعٍ لتوحيد الرموز البصرية للدول العربية، حيث تتشارك معظمها الأحمر والأسود والأبيض والأخضر، باعتبارها ألوانًا ذات جذور تاريخية في الوطن العربي. كان ذلك—مهما اختلفنا حول سياقاته—توجّهًا منطقيًا في زمانه: السودان يومها اختار أن ينتمي لفضائه العربي، وأن ينسجم مع رموزٍ حملتها شعوب المنطقة كتعبير عن وحدة الأمل والمصير.

لكن… يبدو أن ما كان يومًا قرارًا محسوبًا صار اليوم—بقدرة قادر—موضوعًا ارتجاليًا في خطاب سياسي يشبه جلسة مجاملة أكثر من كونه حديث دولة.
خرج علينا، الفريق عبد الفتاح البرهان، في بورتسودان، متحدثًا خلال تأبين قتلى حركة مناوي، ليقترح، بابتسامة تعرف طريقها إلى الميكروفون قبل العقول—العودة لعلم الاستقلال.

هكذا… ببساطة.
علم دولة تُبدَّل ألوانه كما تُبدّل خلفية شاشة هاتف!

والأسوأ أن الفكرة لم تأتِ من ورشة خبراء، ولا من نقاش عام، ولا في سياق إعادة بناء دولة… بل جاءت كـ لفتة عاطفية لحركة مناوي، التي تتخذ ألوان علم الاستقلال شعارًا لها. لفتة تُشبه ذلك النوع من المجاملات التي يقوم بها شخص يريد “تلطّيف الجوّ” في مناسبة اجتماعية، فيعدك بسدّ وقناة وسكة حديد… وهو لا يملك حتى مفتاح سيارته.

التصريح ليس مجرد هفوة، بل مثال دراسي ممتاز لسياسة “غيّر الموضوع”:
حين تعجز عن الإجابة على سؤال الدولة… تحدّث عن العلم.
وحين يشتد الضغط حول مصير القوات المشتركة… أرفع شعارًا جديدًا.
وحين يسألك الناس عن دمج الميليشيات… قدّم لهم “اقتراحًا وطنيًا” يعيدنا إلى ألوان دفتر الزمن الجميل، أما عن سقوط المدن.. الفاشر ..بابنوسة في أيدي الدعم والس-ريع. ..الخ فلا أحد يملك الإجابة

الغريبة أن هذا ليس أول تصريح للبرهان يضع السودانيين في حيرة:

فمرةً اقترح ترتيبات أمنية لا يعرف أحد أين وصلت.

ومرةً يعلن قرارات “حاسمة” حول القوات المساندة، ثم تتبخر في الهواء.

وأخرى يهدد، ثم يهادن، ثم يعِد، ثم يتراجع… حسب حرارة المناسبة وحجم الجمهور.

ولا نستغرب إن استمرت الفكرة في التصاعد، أن يقترح في زيارته المقبلة لميليشيات “درع السودان” تغيير شعار صقر الجديان إلى الجمل! فالجمل محبوب عند بعض الميليشيات أكثر من الدستور نفسه.
السؤال المنطقي، هل هذه لحظة نغيّر فيها علم الدولة؟
نحن في ح-رب… ودولة تتآكل… ومؤسسات مشلولة… واقتصاد يحتضر… ومجتمع منكوب.

السؤال الأهم ليس هو
ما لون العلم؟
بل:
أين الدولة التي سترفرف فوقها هذه الألوان أصلًا؟

البرهان لم يجب حتى الآن على أسئلة أبسط:

ما مستقبل القوات المشتركة؟

متى يتم دمج الميليشيات التي سمّاها بنفسه “مساندة”؟

وأين ذهبت القرارات التي صدرت قبل أربعة أشهر حول ضبط السلاح؟

ومتى يصبح رئيس الدولة قادرًا على إصدار تصريح لا يحتاج السودانيون إلى شرحه بدل تفسيره؟

في الختام لا أملك الا أن أقول:حين يتحدث العسكر… تصمت السياسة، فتبديل العلم ليس أزمة في ذاته.
الأزمة الحقيقية هي أن يظل مستقبل الدولة محكومًا بردود أفعال، وبخطابات ارتجالية، وبعقلية “المناسبة تحكم القرار”.

السياسة ليست منشورًا ولا خطبة تأبين.
والدول لا تُدار بالمجاملات ولا بالرموز التي تُرفع فقط لصرف النظر عن الفشل الحقيقي.
إن أخطر ما في الحكم العسكري ليس الدبابة… بل غياب البوصلة.

يا سيادة الرئيس…
قبل أن تغيّر العلم، غيّر طريقة الحكم.
فالناس لا ترفع الراية لأنها جميلة…
بل لأنها تؤمن بدولة تستحق أن يُضحّى من أجلها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.