أولًا: تحليل واستنتاج المقال: (هل من مانديلا سوداني؟) للدكتورة. أماني الطويل
يقدّم مقال د. أماني الطويل، الذي يأتي من باحثة تُعدّ من أبرز الأصوات المرتبطة بالمؤسسة السياسية المصرية، رؤية تتجاوز حدود التحليل الأكاديمي التقليدي لتلامس ما يشبه (رسم خارطة ذهنية وسياسية) لمستقبل السودان. لكن القيمة الحقيقية للمقال لا تكمن في السؤال المعلَن: هل يمكن أن يظهر مانديلا سوداني؟ بل في الأسئلة غير المعلنة وما تحمله من رسائل ضمنية وإشارات سياسية حول مستقبل السلطة والقيادة وشروط التسوية.
المقال يطرح، في ظاهره، مقارنة تاريخية بين تجربة جنوب إفريقيا وتجربة السودان. لكنه في جوهره، يصوغ إطارًا سياسيًا مصريًا لإعادة التفكير في القيادة السودانية القادمة، وفي بنية الحل السياسي الممكن، وفي دور الأطراف الإقليمية والدولية في إنتاج هذا الحل. ما يلي ليس تلخيصًا، بل تفكيكٌ لما وراء النص:
1. ما الذي يقوله المقال صراحة؟
أ. السودان يعيش حالة انهيار مركّب — الدولة، النخب، الهياكل، الشرعية، والمجتمع.
ب. لا توجد قيادة جامعة في المشهد السياسي والعسكري.
ت. نموذج مانديلا يقدّم درسًا في قدرته على تجاوز الانتقام، وصناعة (زعامة أخلاقية ـ سياسية).
ث. ظهور زعامة سودانية جامعة ممكن فقط من خارج الصراعات العسكرية، وبشرعية أخلاقية.
ج. القوى السياسية والمدنية والعسكرية جميعها فقدت قدرًا من رصيدها.
ح. السودان يحتاج (زعيم مصالحة) أكثر من حاجته إلى (قائد انتصار).
هذه المقولات هي النصف الظاهر من المقال.
2. ما وراء النص – القراءة الضمنية:
أ. محاصرة شرعية الحل العسكري: المقال يُحوِّل نموذج مانديلا إلى معيار أخلاقي للحل، وبذلك يوجّه ضربة ناعمة لشرعية أي طرف يريد حسم الح-رب بالقوة.
بمعنى آخر: النصر العسكري في السودان مستحيل، وأي خطاب انتصار غير قابل للحياة. وهذه رسالة واضحة للطرفين: الجيش والدعم الس-ريع.
ب. تمهيد الأرض لزعامة مدنية جديدة: حين تقول الكاتبة: (الزعيم القادم قد يكون من خارج البنية السياسية التقليدية) فهي عمليًا تُعلن سقوط كامل النخب الحالية:
– القوى المدنية،
– القوى العسكرية،
– وحتى تحالفات الثورة وما بعدها.
هذه دعوة لإعادة إنتاج قيادة جديدة تمامًا — وهو أمر لا يمكن فصله عن رؤية مصر لدور الفاعلين المدنيين.
ت. تحميل النخب السودانية المسؤولية الأخلاقية للانهيار: الكاتبة لا تلوم طرفًا واحدًا؛ بل تُحمّل الجميع المسؤولية:( الجيش، الدعم السريع، القوى المدنية، النخب الحزبية، التحالفات).
هذا التوصيف يخدم هدفًا واضحًا: تهيئة الرأي العام السوداني والإقليمي لتقبّل بديل قيادي من خارج الجميع.
ث. إضفاء شرعية للدور الإقليمي والدولي: المقال يكرّر الإشارة إلى:
– الضغوط الدولية،
– الحاجة إلى وسيط،
– ضرورة التواصل مع المجتمع الدولي.
هذه ليست مجرد ملاحظات؛ بل هي تأسيس لسردية تقول إن الحل لا يمكن أن يولد من الداخل السوداني وحده. وهي رسالة من النوع، الذي تستخدمه الدول حين تريد:
– لعب دور ضامن،
– أو تصميم مسار سياسي انتقالي،
– أو دعم قيادة معينة ولو ضمنيًا.
ج. قراءة مصرية لمعادلة السلطة في السودان: المقال يوجّه رسائل غير مباشرة تعكس أولويات القاهرة:
– رفض صعود مشروع عسكري منفرد
– رفض سيطرة الدعم الس-ريع على الدولة
– رفض تشرذم القوى المدنية
– تبنّي نموذج (زعيم وسط) يعيد بناء السلطة دون تقسيم السودان
هذه الرسائل ليست أكاديمية — بل استراتيجية.
3. التحليل السياسي — ماذا تريد الكاتبة تحقيقه؟
أ. بناء سردية: (السودان لا يحتاج جنرالًا… بل مانديلا): هذا الخطاب يلغي، عمليًا، شرعية أي مشروع عسكري ويحوّله إلى عبء أخلاقي.
ب. هندسة توقعات السودانيين والمجتمع الدولي: المقال لا يصف الواقع فقط… بل يُعيد هندسة الصورة الذهنية:
– السودان بحاجة إلى قيادة جديدة
– هذه القيادة يجب أن تكون من خارج الح-رب
– هذه القيادة يجب أن تكون محايدة.
– هذه القيادة تحتاج دعمًا إقليميًا ودوليًا.
– هذه القيادة هي وحدها القادرة على كتابة عقد اجتماعي جديد
هذا هو تعريف (الزعيم المُعدّ) — أو (الزعيم الذي يتم تمهيد الأرض له).
ت. وضع مصر في موقع (العقل الإقليمي الهادئ): من خلال مقاربة مانديلا، تطرح الكاتبة مصر كدولة:
– تفهم التعقيدات،
– لا تدعم الحسم العسكري،
– مستعدة للعب دور سياسي،
– تميل للحل التفاوضي.
وهذه رسالة موجّهة:
– للغرب،
– للاتحاد الإفريقي،
– وللسودانيين أنفسهم.
4. الاستنتاجات الكبرى (ما يريد المقال قوله دون أن يقوله):
أ. القوى العسكرية في السودان غير قادرة على إدارة الدولة، وأن استبدالها بقيادة سياسية مدنية ليس خيارًا نظريًا بل ضرورة.
ب. السودان في حاجة إلى زعيم (يُصنَع) وليس زعيمًا يولد تلقائيًا والصناعة هنا تستلزم:
– دعم إقليمي،
– شرعية أخلاقية.
– خروج من المسارات التقليدية.
ت. القوى السياسية السودانية الحالية انتهت صلاحيتها، لأنها عاجزة عن إنتاج وحدة وطنية. هذا الموقف مهم للغاية… وهو حكم قاسٍ وصريح.
ث. مصر تعلن — دون أن تعلن — رغبتها في دور قيادي: ليس تدخلًا عسكريًا، بل دورًا سياسيًا هندسيًا في تشكيل مستقبل السودان.
ج. الدعم الس-ريع مستبعد — والجيش غير قادر — والقوى المدنية منقسمة. إذن: (لا أحد صالح لقيادة المرحلة القادمة… إلا شخصية جديدة تُنتج خارج المعادلة).
ح. فتح الباب أمام سيناريو: (زعيم من المجتمع المدني): وهذه نقطة استراتيجية مصرية، لأنها:
– تُضعف مشروع الدعم الس-ريع،
– وتضغط على الجيش للقبول بالتسوية،
– وتمنح القوى المدنية “النظيفة” دورًا أكبر،
– وتخلق نموذجًا شبيهًا بالمصالحة الجنوب إفريقية.
5. التقييم النهائي — قراءة سياسية مختصرة: المقال ليس بحثًا… بل رسالة سياسية موجّهة بعناية. هدفها الأساسي هو:
– نزع الشرعية الأخلاقية والسياسية عن الح-رب وعقلها،
– وإعادة تشكيل شروط القيادة السودانية المستقبلية،
– وتبرير حاجة البلاد إلى زعامة جديدة خارج المنظومة،
– وفتح الباب لدور إقليمي (خصوصًا مصري) في صياغة المرحلة الانتقالية.
إنه مقال هندسي، لا توصيفي. وأداة ضغطٍ ناعمة، لا تحليل حيادي
ثانيًا: تعليق على المقال: (هل من مانديلا سوداني؟) للدكتورة . أماني الطويل
إنّ المقال المنشور تحت عنوان (هل من مانديلا سوداني؟) للدكتورة أماني الطويل ينتمي إلى سلسلة من المقاربات، التي تحاول، عن قصد أو دون قصد، أن تعيد صياغة المشهد السوداني من خارج إرادة شعبه، عبر مقارنات أخلاقية وسياسية تبدو بريئة في ظاهرها، لكنها تحمل في جوهرها محاولة هندسة صورة القيادة القادمة في السودان وإفراغ العملية السياسية من مضمونها الوطني.
إن في هذا المقال نقاطًا تستوجب الوقوف عندها بوضوح ومسؤولية، حفظًا لحق الشعب السودان في اختيار قيادته، وصيانةً لكرامة شعبه، ورفضًا لأي مقاربة تُختزل فيها أزمات السودان العميقة في (بحثٍ عن شخص) بدلًا من بناء مشروع وطني وقومي شامل.
1. السودان لا يبحث عن (مانديلا)… بل عن مشروع وطني مستقل: إنّ مقارنة السودان بجنوب إفريقيا محاولةٌ انتقائية تتجاهل الفرق الجوهري بين تجربة تحررٍ وطني ضد نظام عنص-ري محلي، وبين بلدٍ تتداخل في أزمته:
– الانقسامات المصنوعة،
– التدخلات الإقليمية،
– الأدوات العسكرية المتعددة،
– ومصالح الفاعلين الخارجيين.
السودان ليس بلدًا بلا ذاكرة نضالية، ولا بلا رموز وطنية، ولا بلا مشروع تحرري تاريخي.
السودان قدّم قياداته عبر مراحل التطور الوطني في السودان: (الأزهري، المحجوب، محمد سليمان الخليفة التعايشي، عبد الخالق محجوب، بدر الدين مدثر، على الريح السنهوري)، وحتى شهداء الانتفاضات، والثورة الحديثة، وكل شهداء الحركة السياسية السودانية في الدفاع عن الوطن.
السؤال إذن ليس: (أين مانديلا السوداني؟)
بل: من الذي يحاول منع السودانيين من إنتاج قيادتهم الوطنية المستقلة؟
ولمصلحة من يُربط مستقبل السودان بوجود (شخصية) واحدة تشبه نموذجًا مستوردًا؟
2. محاولة إعادة تعريف القيادة السودانية من الخارج خطرٌ على السيادة: تقول الكاتبة إن القيادة القادمة يجب أن تكون:
– من خارج القوى المدنية،
– وخارج القوى العسكرية،
– ومن خارج النخب السياسية،
– وأن تنال قبول القوى الدولية والإقليمية.
هذه المعادلة ليست (بحثًا عن مانديلا) … بل صياغة لوظيفة سياسية جديدة مفادها: (زعيم غير منتمٍ للناس، لكن مقبول لدى الخارج). وهذا النموذج ليس زعامة، بل رقابة سياسية معولمة تُفرغ العملية الوطنية من مضمونها، وتحولها إلى تدريب دولي على (إدارة الأزمة)، لا حلّها.
3. تجاهل الأسباب الحقيقية للح-رب (محاولة لصناعة حل بلا جذور) : المقال يتحدث عن (زعيم جامع) لكنه يتجاهل:
أ. جذور الح-رب المرتبطة برأس المال الفاسد،
ب. ميلشيات نشأت خارج الدولة،
ت. تدخلات إقليمية محسوبة،
ث. تدمير منهجي للمؤسسات منذ انقلاب 1989،
ج. تفكيك المشروع الوطني،
ح. ابتعاد المؤسسة العسكرية عن واجبها، واتجاهها للسياسة والاقتصاد،
خ. الأجندة النيوليب-رالية، التي أعادت إنتاج الطائفية السياسية.
لا يمكن الحديث عن (مانديلا سوداني) دون الحديث عن تفكيك النظام الذي أنجب الح-رب: نظام الحركة المتأسلمة – أمنيًا، اقتصاديًا، سياسيًا، وميليشياتيًا.
فالكاتبة تتجاوز هذا كله وتتجه مباشرة إلى: (أبحثوا عن زعيم محايد). وهذا يعني عمليًا:
أ. تنظيف ساحة الجناة،
ب. القفز فوق جذور الأزمة،
ت. تبييض صفحة من دمّروا الدولة.
وهذا ما لا يقبله الشرفاء من أبناء الشعب السوداني.
4. لا قيادة وطنية تُصنع خارج الإرادة الشعبية: في كل تجربة تحرر وطني، القيادة تُولد:
أ. من السياق الاجتماعي والسياسي،
ب. من تضحيات الناس،
ت. من حركة الجماهير،
ث. من وضوح المشروع الوطني.
لا تُنتج في مختبرات السياسة الإقليمية، ولا في مكاتب التفكير الخارجي، ولا في جلسات (هندسة الانتقال). ولذلك، فإن الكلام عن (زعيم قد يأتي من المجتمع المدني غير المرتبط بالسياسة) هو محاولة لتفريغ الممارسة السياسية من مشروعيتها الطبيعية.
إنّ الرفض الحتمي : في أن يتحول السودان إلى ساحة اختيار (شخصيات فوق الواقعية) بدل بناء المؤسسات الوطنية المنتخبة.
5. السودان لا يحتاج زعيمًا محايدًا… بل مشروعًا وطنيًا مقاومًا: المشروع الوطني – بالضرورة – يقوم على:
أ. الوقف الفوري للح-رب.
ب. إنهاء شرعية الميليشيات بكل أشكالها.
ت. تفكيك بنية الحركة المتأسلمة التي أنتجت الح-رب.
ث. إعادة بناء الجيش كجيش وطني غير مسيّس.
ج. مشروع اقتصادي وطني مستقل، يعيد للمجتمع ومكوناته المتعددة هيبتها ووضعها الطبيعي، وذلك بإزالة اقتصاد النهب والتهريب.
ح. دستور وطني قائم على الحرية والعدالة الاجتماعية.
خ. عقد اجتماعي صالح لكل( أقاليم)، ومناطق السودان.
د.عدم إفلات من ارتكب ج-رم بحق الشعب السوداني – تاريخيًا- وتحقيق العدالة.
هذا المشروع لا يحتاج (رجل واحد)، بل يحتاج حركة وعي، وتنظيمًا، وإرادة جماعية.
6. المصالحة ليست بديلًا عن العدالة: حين تتحدث الكاتبة عن (زعيم قادر على الغفران) وتتجنب ذكر:
– مجزرة القيادة،
– انت-هاكات دارفور،
– ج-رائم الدعم الس-ريع،
– فساد النظام المتأسلم السابق،
– تدمير الاقتصاد،
– تفكيك الخدمة المدنية…
فهي عمليًا تدعو إلى النموذج الذي يفضّل: المصالحة على العدالة، والتهدئة على المحاسبة.
القول الحق هو: (لا مصالحة بلا عدالة، ولا سلام بلا محاسبة، ولا بناءً وطنيًا بلا كشف جذور الجريمة السياسية).
7. الخلاصة السياسية: ما يحتاجه السودان ليس مانديلا… بل:
أ. نهضة وطنية شاملة،
ب. لا يحتاج زعيمًا واحدًا،
ت. ولا نموذجًا مستوردًا،
ث. ولا هندسة خارجية،
ج. ولا قيادة محايدة،
ح. ولا سلطة ناعمة دون مشروع،
خ. ولا مصالحة بدون عدالة.
فالسودان يحتاج:
– مشروعًا وطنيًا – قوميًا – ديمقراطيًا – اجتماعيًا،
– تنهض به قوى الشعب الحية،
– وتعيد بناء الدولة،
– وتمنع تكرار الح-رب،
– وتستعيد السيادة،
– وتفتح الطريق لوحدة السودان وأمنه( وحدة الجغرافيا، والأمن، والاقتصاد ، والمجتمع …..الخ)
فالرؤية للسودان: (ليس بحثًا عن رجلٍ واحد، بل تأسيسًا لوطن ينهض من جديد).
معًا: لبناء الجبهة الشعبية العريضة للديمقراطية والتغيير

Leave a Reply