كثيراً ما تتصاعد الشكوى، عَقِبَ أيّ حِراكٍ ثقافي، من إحجام السلطة القائمة عن دعم هذا النشاط. وهو، في التقدير، أمرٌ إشكاليّ وعميق.
ويمكن القول إنّ الأمر يتباين من سلطةٍ إلى أخرى، ومن عالمٍ إلى آخر. ففي العالم الأول، استقرت العلاقات بين مكوّنات المجتمع، ومن ضمنها مجتمعات الثقافة والسلطة، منذ أمدٍ بعيد، وأصبحت الحدود بينها محدّدة ومقنّنة، ولم تعد محلّ جدل كما هو الحال في العالم الثالث.
ومقابل تلك الشكوى الدورية، هناك من يتحفّظ جذرياً على أي دور للسلطة في الحقل الثقافي، باعتباره حقلًا أهليًا يجب أن يدعم الحرية المطلقة للفرد المبدع. وهو موقف يختلف جذرياً عن الدعوة إلى تدخل الدولة لدعم النشاط الثقافي، بتوفير وتشييد البُنى التحتية ودعم المبدعين. ولعلّ لهذا التدخل بعض الفوائد والملموسة، غير أنّ كلفته قد تكون فادحة، كما يرى البعض، إذ إنّ دخول الدولة بهذا الدعم، بمختلف أشكاله، يستدعي معه المحاسب الحكومي الذي يراقب صرف المال العام، والمراقب السياسي الذي يسهر على التأكد من أن العمل الثقافي لا يختلف عن الخط السياسي، وغير ذلك من المواضعات البيروقراطية المقيدة.
الصراع الأبدي
العلاقة بين السلطة، أيّاً كانت، ومجتمع الثقافة هي علاقة متوترة بطبعها، تنطوي على صراعٍ يختفي ويظهر، ولا يبدو منظورًا أن تستقرّ تلك العلاقة الصراعية على أيّ شكلٍ من أشكال التسوية أو التهدئة. فبعض المبدعين لا يعرفون أنفسهم إلا كمعارضين للسلطة القائمة، معارضةً مطلقة، لأن الأدب والفن، حسب رؤيتهم، حريةٌ مطلقة، والسلطة قيد. وزيادةً على ذلك، هناك المتعاونون مع السلطة، الآكلون على موائدها… إلخ.
وفي تقديرنا، لا يمكن تبسيط الأمر بهذا الشكل أو ذاك، بل يتعيّن طرحه للنقاش العلمي العميق، وصولاً إلى رؤية مؤسسة تُؤمّن أرضية مشتركة ينطلق منها الجميع.
فالحرية، كحقٍّ أصيل للمبدع، لا تقبل التبعيض أو الافتراض بتحققها في ظل سلطةٍ تقيّد أو تصادر الحريات العامة. ومن وعي التجارب والممارسات، فإنّ “الإطلاق” في كل شيء مفسدة.
وإلى الأمام…
#الفنان_والسلطة #حرية_الإبداع #لنا_كلمة #ملف_الهدف_الثقافي #دعم_الثقافة #الثقافة_والبيروقراطية #العالم_الثالث #النقد_والمعارضة

Leave a Reply