عبد العزيز محمد داؤود.. صوت يغنّي للكواكب

صحيفة الهدف

يوسف الغوث

تبدو الموسيقى، منذ فجر الكون، كأنها اللغة الأولى التي تهمس بها الذرات قبل أن تتشكل في أصوات وأنغام. فكل شيء يبدأ من ذبذبات دقيقة تتحول إلى طاقة سمعية، تُستخدم بوعي في التأثير والعلاج الروحي والباطني. ولم يكن غريبًا أن يرى فيثاغورس، وهو أول من تحدث عن “الموسيقى الكونية“، أن حركة الأجسام السماوية تعزف لحنًا أبديًا، وأن العالم بأسره يغني في تناغم سرمدي.

نشأة من بربر.. وبداية الانطلاق

من هذا الفضاء الروحي للموسيقى، نتوقف عند أحد أعذب الأصوات السودانية، صوت يملك القدرة على أن ينساب إلى الوجدان بصفاء الماء وعمق النيل، إنه عبد العزيز محمد داؤود، الشهير بـ”أبو داؤود“.

ولد عبد العزيز عام 1930 في مدينة مخيرف النور، بربر حاليًا. بدأ حياته منشدًا ومادحًا وتاليًا للقرآن الكريم، وهي مرجعيات ستظل حاضرة في خامة صوته ووقاره الفني. عمل في التجارة لفترة، ثم التحق بالسكة الحديد، قبل أن يهاجر إلى الخرطوم حيث ترك وظيفة السكة الحديد، وانتقل إلى العمل في مطبعة ماكروكوديل.

تأثر داؤود بفن كرومة وسرور وزنقار، فاستلهم منهم طريقته وصوته، لكنه احتفظ بأسلوبه الخاص الذي جعله أحد أبرز مطربي جيله. وفي عام 1949، سجل أولى أغانيه في الإذاعة السودانية “زرعوك في قلبي“، ليبدأ اسمه في التوهج بقوة.

صوت يختار نصوصه بعناية

ورغم تعدد الأصوات السودانية في تلك الفترة، ظل عبد العزيز مختلفًا؛ فهو يختار نصوصه بعناية ويمنح الكلمة قدرًا كبيرًا من الاحترام. وقد غنى لشعراء من داخل وخارج السودان، منهم محمد علي أحمد، والشاعر اللبناني إلياس فرحات، وكذلك محمد ود الريس والطيب عبد الله، كما غنى نصوصًا للشعراء الشعبيين السودانيين، مزيجًا من الرومانسي والاجتماعي.

ومن أبرز أغانيه: “زرعوك في قلبي“، و”يا نيل“، و”يا حبيبي يا نور“، و”عروس الروض“، و”المطر جاء“، و”يا زمان الوصل“. وقد اشتهرت هذه الأغاني بعمق المعنى وروح النغم السوداني الأصيل.

كبريتة أبو داؤود.. رمزية الفن الخاص

اشتهر عبد العزيز داؤود بخفة ظله ودعاباته، حتى بات يبدأ حفلاته بالنكات والطرائف. وكانت علبة الكبريت رفيقته الدائمة، ينقر عليها بإيقاع خاص أثناء الغناء، في مشهد يعادل علاقة أم كلثوم بمنديلها الشهير. لقد كانت “كبريتة أبو داؤود” رمزًا لأسلوب خاص، وللموسيقى التي يستطيع استخراجها من أبسط الأشياء.

لم يقتصر حضوره على الداخل، فقد سافر إلى ألمانيا وأمريكا لإحياء حفلات ناجحة، وشارك في “أسبوع السودان” بالكويت عام 1971. وفي تلك الأمسية، أبدى وزير المالية الكويتي، الشيخ عبد الرحمن العتيقي، دهشته وإعجابه بصوت عبد العزيز، فخلع ساعة معصمه وقدمها إليه تقديرًا لصوته النادر.

إرث لا ينضب

رحل عبد العزيز محمد داؤود عام 1984، لكنه ترك خلفه مكتبة غنائية ضخمة وإرثًا فنيًا سيظل حاضرًا في الوجدان السوداني. لقد كان بحق “خلاصة الفن“، فنانًا قادرًا على الاستغناء عن الأوركسترا والاكتفاء بضربات كبريتته التي صارت جزءًا من التاريخ.

#عبدالعزيز_محمد_داؤود #ابو_داؤود #ملك_الرومانسية_السودانية #الفن_السوداني_الأصيل #كبريتة_ابو_داؤود #الموسيقى_الكونية #يوسف_الغوث #ملف_الهدف_الثقافي #اغاني_سودانية_خالدة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.