ثلاثة عقود من تجريف الوعي وتجنيد الإبداع لخدمة الح_رب: كيف دمّر الإخوان المسلمون الثقافة والفنون في السودان؟

صحيفة الهدف

مؤيد الأمين

لم يكن مشروع الإخوان المسلمين في السودان مجرّد انقلابٍ سياسيٍّا على السلطة في ليلة 30 يونيو 1989، بل كان انقلابًا أشمل على روح البلاد نفسها؛ على ذائقتها وفنونها ومسرحها وموسيقاها، وعلى المدارس التي ربّت أجيالًا من المبدعين، وعلى ذلك النسيج الذي لطالما شكّل السمة الأعمق للهوية السودانية: الهوية التي تميل إلى التسامح والغناء والحكي والتنوّع.

لكن الإسلامويين لم يروا في هذا التنوع نعمةً، بل اعتبروه تهديدًا. لم يروا في الأغنية السودانية إرثًا فنيًا، بل “خطرًا على المشروع الحضاري”. لم يروا في المسرح مدرسةً للوعي، بل منصةً “للتفكيك”. ولم يروا في الصحافة رقيبًا على السلطة، بل سلاحًا يجب إسكاتُه أو تدجينُه.

ولذلك، حين سيطروا على الحكم لثلاثة عقود ونصف، بدأوا مشروعًا منظمًا ومدروسًا: تدمير الثقافة السودانية وإعادة هندسة المخيال العام ليخدم غرضًا واحدًا: توطين ثقافة الحرب.

This is not an exaggeration إنها خلاصة ما حدث فعلًا.

فيما يلي قراءة صحفية معمقة لما فعله التنظيم، وكيف استطاع أن يفرغ الحياة الثقافية من مضمونها، ويحوّل الفن من مساحةٍ للوعي إلى منصةٍ للتعبئة، ويزرع عناصر بلا مؤهلات في كل موقعٍ فقط لأنهم ينتمون للتنظيم.

أولًا: التجريف المنهجي للمؤسسات الثقافية

حين استولى الإسلامويون على السلطة، لم يتعاملوا مع الثقافة بوصفها قطاعًا عامًا، بل باعتبارها “ساحة معركة”. ولذلك كان أول ما فعلوه هو السيطرة على المؤسسات التي تنتج المعرفة والفن، ثم تفريغها من محتواها.

1/ المعهد العالي للموسيقى والمسرح.. الهدف الأول

لم يكن المعهد مجرد مدرسة، بل مصنعًا حقيقيًا للمبدعين: ممثلين، كتّابًا، مخرجين، موسيقيين. ومن بين جدرانه خرجت أجيال شكّلت الضمير الفني السوداني.

فعل الإخوان ما يفعلونه دائمًا حين يخافون من مؤسسةٍ ذات تأثيرٍ حضاري: حاصروها أولًا، شوّهوا صورتها ثانيًا، ثم أغلقوها نهائيًا في أواخر التسعينيات.

الذريعة كانت جاهزة: “المعهد مركز للانحلال، ومنصة لتمرير أفكار لا تتسق مع المشروع الحضاري”.

وهكذا بدأت حقبة تجفيف منابع الإبداع. أُقصي الأساتذة الحقيقيون، ورُهِب الطلاب، وتم إنهاء أهم نافذة أكاديمية للفنون في السودان.

2/ مصادرة دور العرض والمراكز الثقافية

ضُيّق الخناق على المسارح، ومُنع العديد من العروض بذريعة “مخالفة الشريعة”. صودرت السينما، وأُغلقت دور العرض، حتى المنتديات الثقافية الصغيرة لاحقها الأمن. وبذلك جرى قطع شريان التفاعل بين الجمهور والفنان.

3/ العبث بالمناهج

ألغيت موادّ الفكر والفلسفة والنقد الفني وتاريخ الفنون، واستُبدلت بمحتوى تعبوي يبرّر الحرب والجهاد، ويعيد صياغة التاريخ السوداني بما يخدم التنظيم.

ثانيًا: القضاء على الأصوات المؤثرة

الثقافة ليست فقط مؤسسات، بل أيضًا أشخاص: شعراء، صحفيون، موسيقيون، ممثلون، روائيون. وقد أدرك الإخوان المسلمون ذلك جيدًا. كل من لم ينحنِ أو يقبل بالشراء أو الصمت، واجه أحد ثلاثة مصائر:

  • التهجير: هرب كثير من الفنانين والصحفيين والمسرحيين إلى الخارج، بعد أن حُوصِروا في أرزاقهم ومُنِعوا من العمل وتعرضوا لتهديدات مباشرة.
  • التنكيل والشيطنة: مارس الإعلام التابع للتنظيم حملات تشويه ضخمة ضد فنانين ومفكرين، باتهامات أخلاقية وسياسية جوفاء لكنها فعّالة في مجتمع محافظ. وهكذا تم اغتيال شخصياتٍ عديدة دون إطلاق رصاصةٍ واحدة.
  • الإقصاء الكامل: طُرد صحفيون من وظائفهم، ومُنع آخرون من الكتابة، وأُوقفت البرامج التي تستضيف مثقفين مستقلين. فخسر السودان بذلك أهم مستودع له: العقول.

ثالثًا: تجنيد الفن لتوطين ثقافة الح_رب

بعد إسكات المؤسسات والأصوات، جاء الدور الأخطر: توظيف الفن نفسه كأداة تعبئة للحرب.

1/ صناعة “الفنان الموالي”: برزت فئة جديدة من الأصوات بلا تجربة ولا موهبة حقيقية، لكنها ممكّنة لأنها تنتمي للتنظيم. غنّت للتنظيم ولقادته وحروبه وشعاراته، فتحولت الساحة الفنية إلى ما يشبه جوقةً عسكرية.

2/ تحويل الأغنية من وجدان إلى دعاية: كانت الأغنية السودانية تحتفي بالإنسان والحياة والمطر والتراب. أما في عهد الإسلامويين، فصار المطلوب أغنية تحب الموت، تعبّئ وتحرض وترفع رايات الجهاد. شُيطنت الأغنية العاطفية، واستُبدلت بأغانٍ “جهادية” تردد في المدارس والجامعات والمخيمات، فجرى اختراق المخيال الجمعي للسودانيين.

3/ المسرح والإعلام الرسمي: المسرح الذي كان ينتقد الاستبداد صار يروّج له. أما التلفزيون القومي فتحوّل إلى آلة تعبئةٍ ودعاية، تستضيف موظفين يرددون خطاب “المشروع الحضاري”، وتُقدَّم فيها الحرب على أنها واجب ديني.

رابعًا: زرع عناصر بلا مؤهلات

من سمات التنظيم أنه لا يؤمن بالكفاءة، بل بالولاء فقط. لذلك تم تعيين: مديري مؤسسات ثقافية بلا معرفة بالثقافة، مسؤولين عن الإعلام بلا علاقة بالمهنة، موظفين في المسارح والصحف والمراكز الثقافية لا يعرفون شيئًا عن العمل الفني. هؤلاء لم يكونوا مجرد إداريين، بل أدوات رقابة تمر عبرهم كل خطوة، فانهارت الجودة وتوقّف التطوير وماتت الروح.

خامسًا: خلق جيلٍ فارغ.. الهدف الأكبر للتنظيم

الجيل الذي نشأ في أواخر التسعينيات وبداية الألفية وجد أمامه: مدارس بلا أنشطة فنية، جامعات بلا جمعيات ثقافية مستقلة، إعلامًا أحادي الصوت، غيابًا كاملًا للنماذج الملهمة. النتيجة: جيل محاصر بلا أحلام ولا أدوات للتعبير. وهذا ما أراده التنظيم، لأن الجيل الذي لا يحلم لا يثور، والذي لا يملك فنًا لا يملك إلا ما يُملى عليه.

سادسًا: الحرب كحصان طروادة

استخدم الإخوان المتأسلمون الحرب وسيلةً للسيطرة، وجعلوا الثقافة أداةً للتعبئة النفسية. المدارس تعلّم “فقه الجهاد”، التلفزيون يبث الأغاني الحماسية، البرامج الدينية تبرّر القتال، الصحافة تصف المعارضين بـ”أعداء الدين”. هكذا تحوّلت الثقافة إلى مسرح يبارك الحرب ويغطي على جرائمها، ويقدّم الموت بوصفه شهادة.

سابعًا: النتائج.. ثلاثون عامًا من الخراب

تدهور الذوق العام، اختفاء رموز ثقافية مهمة، ضعف المؤسسات الأكاديمية الفنية، تشويه الخطاب الإعلامي، غياب الأعمال الكبرى التي تعبّر عن السودان الحقيقي، انتشار التفاهة بدل الإبداع.. والأخطر: تطبيع الحرب في الوجدان العام.

ختامًا: لماذا يجب كشف ما حدث؟

لأن الحرب التي تلتهم السودان اليوم ليست وليدة العام 2023 أو 2024، بل نتاج تراكم طويل لثقافةٍ زرعها التنظيم في المجتمع.

حين يُجفَّف الفن، يزدهر العنف.. حين يُسكت المبدعون، يعلو صوت السلاح، حين يُقتل المسرح، يولد خطاب الكراهية، وحين يصبح الولاء أهم من الكفاءة، يكون الخراب نتيجةً طبيعية.

ما فعله الإخوان المسلمون لم يكن تدميرًا للثقافة فقط، بل تدميرًا لآلية إنتاج الوعي التي تحمي المجتمع. ولذلك فإن إعادة بناء السودان تبدأ بإعادة بناء الثقافة: بإحياء المعاهد، وردّ الاعتبار للموسيقى والمسرح، والاحتفاء بالمفكرين، واستعادة الحوار الحر..

هكذا فقط يمكن أن يُشمّ تراب البلاد من جديد.

#ملف_الهدف_الثقافي #تجريف_الثقافة_في_السودان #الإخوان_المسلمون_والفن #توطين_ثقافة_الحرب #تدمير_الوعي #المعهد_العالي_للموسيقى #الثقافة_والمقاومة #مؤيد_الأمين #إعادة_بناء_السودان

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.