من حكايات حدائق الذاكرة: شجرة التوت

صحيفة الهدف

د.مصطفى العميري 

إهداء: إلى روح عماد عركي.. الأمير الحالم، الذي كان يعرف أن الكلمات ليست سوى حدائق مؤجَّلة، وأن من يزرع الحلم، لن يموت تمامًا.

كانت الشجرة تتذكّر.

تتدلّى من أغصانها قلوب صغيرة على هيئة توت ناضج، كل واحدة تحمل نكهة حكاية لم تكتمل.

في مدخل رابطة الطلبة السودانيين بالوزيرية، حيث يختلط الشاي بصوت العود في المساء، وحيث تمر الأرواح المتعبة لتستريح قليلًا، رآها أول مرة.

هو القادم من ضفّة بعيدة للنيل، بملامح فرعون أضاع عرشه في الغربة، يعمل جرسونًا في كافتيريا صغيرة قرب الرابطة، يرتب الأكواب كما يرتب المنفي صمته.

وهي زاغروس، امرأة من جهة الحلم، يمشي تحت قدميها العشب كأنه يصلي. في عينيها ظل غابة، وفي صوتها نكهة بحار لم تُرسم بعد على الخرائط.

حين تلاقت نظراتهما، اهتز الهواء، كأن بغداد نسيت نفسها لحظة لتتفرج على معجزة صغيرة تولد في المقهى.

الخروج من الجهات

منذ تلك النظرة، انقسم العالم إلى ما قبلهما وما بعده. لكن الناس لا يحبّون الخرائط الجديدة، فأنكروا عليهما الطريق. قالوا: “الشمال لا يحن إلى الجنوب.” لكنّهما كانا قد خرجا من الجهات.

في الليل، تسلّلا من بغداد كفكرة ترفض أن تُحذف من القصيدة. عبروا الصحراء إلى الأردن، تغني زاغروس بصوت يقطر من اللغة القديمة، ويحدّق أحمد في الأفق كأنه يحاول العثور على صورة قديمة في ذاكرة الرمل.

ثم وصلا إلى مصر، حيث يستريح النيل من أسفاره الطويلة.

في غرفة ضيقة على ضفته، سكنا كما يسكن الحلم جسدًا نائمًا. كانت تغسل شعرها بماء مالح كل صباح، وتقول: “الملح يحفظ الحلم.” وكان يكتب على الجدار خطوطًا لا تُقرأ، لكنها تضيء في الليل كجمل من سفر مفقود.

قالت له يومًا: “إن وصلنا، انتهينا.” فأجاب: “ومن قال إن الوصول ليس نوعًا آخر من الغياب؟”

ثم غابا. ربما ذابا في النيل، أو عادا إلى تلك الشجرة في الوزيرية، التي لا تزال تتدلّى من أغصانها ثمار تشبه العيون المغمضة على وعد لم يُكمل نومه.

وفي مساءات الذاكرة، حين تمر الريح من جهة الشمال، تهتز أوراق التوت قليلًا، كأنها تصفّق لاثنين لم يتقنا الفراق، فبقيا.. عطرًا، وظلًّا، وحكاية من حدائق الذاكرة.

#شجرة_التوت #حدائق_الذاكرة #د_مصطفى_العميري #الوزيرية #قصص_عربية #أدب_الهجرة #الحنين_للوطن #الذاكرة_والنيل #ملف_الهدف_الثقافي

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.