“تعتذر بعد إيه”.. وجعُ الحبِّ النبيل في وجدان عبد العزيز محمد داؤود

صحيفة الهدف

أمجد أحمد السيد
#ملف_الهدف_الثقافي
في الأغنية السودانية القديمة ثمة صدقٌ لا يُخطئه السمع، ووجدانٌ شفيفٌ يصوغ الألم في جُملٍ موسيقيةٍ آسرة. ومن بين تلك الروائع التي خلدها الوجدان الشعبي، تأتي أغنية “تعتذر بعد إيه”، كلمات الشاعر محمد محمد صالح بركية، وغناء العملاق عبد العزيز محمد داؤود، لتقف شاهدًا على نقاء العاطفة ومرارة الفقد في زمنٍ كان للحب فيه مقامه الرفيع.
منذ المطلع، يضعنا الشاعر أمام موقفٍ حاسمٍ بين الحبيب المجروح والمحبوبة التي عادت بعد فوات الأوان، فيغني “أبو داؤود” بصوته المهيب:
تعتذر بعد إيه
بتحكي لي على إيه
على حبي ما الصنتو
على قلبي الحطمتو
على أملي الهدمتو
تعتذر بعد إيه
بتحكي لي على إيه
على عذابك ليّ
عن سهادي البِي
عن دموع عيني
تعتذر بعد إيه
بتحكي لي على إيه
بعد الريـد نسيـتو
عهد الحب طويتو
والمحبوب جفيتو
تعتذر بعد إيه
بتحكي لي على إيه
من بعد التجني
بعد ما بعدت عني
إيه هامِك منّي
في هذه الأبيات، يواجه الشاعر محبوبته بجرأةٍ نابعةٍ من جُرحه لا من كبريائه. فكل سطرٍ يفيض عتابًا شفيفًا وصدقًا موجعًا. ليست الكلمات هنا شكوى عابرة، بل اعترافٌ صامتٌ بانكسار القلب بعد الخذلان. إنه يرفض الاعتذار لا عن قسوة، بل لأن الاعتذار جاء متأخرًا، بعد أن مات في القلب شيءٌ كان يُغفر له كل شيء.
ويمضي النص في تصاعدٍ لحنيٍّ يوازي انفعال المعنى، حيث يتقاطع الإحساس بالخذلان مع دفء صوت “أبو داؤود”، ذلك الصوت الذي يجسد صورة الرجل السوداني في لحظة انكسارٍ نبيل. بصبره ووقاره، يغني الألم دون ضجيج، والحب دون ابتذال.
وهكذا تبقى “تعتذر بعد إيه” واحدةً من أصدق أغاني الوجدان السوداني، تحمل عبق الزمن الجميل ومرارة الحنين التي لا تنطفئ، وتعيدنا إلى عصرٍ كان الصدق فيه مقامًا من مقامات الفن، والحب تجربةً لا تُقال إلا شعرًا وغناءً.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.