إنصاف الشفيع
لا زلت رغم السنين أذكرها.. فتاة سمراء، هادئة، جميلة.. تلقاك دوماً مبتسمة، وكأن الحزن ما عرف طريقاً لعينيها الجميلتين. كنت أراها دوماً عند زيارتي لشقيقتي الكبرى في مبنى داخلية طالبات كلية الاقتصاد. كنت أحس تجاهها بتعاطف عميق منذ أن عرفت من أختي وصديقاتها أن هويدا تبقى في الإجازة بمباني الداخلية، لأن البصات السفرية لا تستطيع الوصول إلى الفاشر بسبب سوء الطريق وخطورته.
تبقى وحيدة مع رفيقات لها لا يتجاوز عددهن أصابع اليد الواحدة، جميعهن من مناطق بعيدة في السودان، لظروف قد تختلف لكنها متشابهة. في الإجازات تغادر معظم الطالبات إلى حيث ذويهن، وتترك هويدا وحيدة فتنتقل للانضمام لمن بقين في غرفة واحدة تحت إشراف إدارة الداخلية التي تؤمن لهن المأكل وكل ما يحتجنه. كان ذلك في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات.
قفزت هويدا إلى ذاكرتي بلا استئذان وأنا أتابع ما يجري في الفاشر من مذابح وفظائع يندي لها جبين الإنسانية خجلاً. رأيتها في وجه كل امرأة تحاول الفرار من الفاشر حين أطبق عليها ليل الجن.جويد. كنت أرى هويدا في وجه تلك الطفلة الباكية وهي تلوذ بأحضان أمها، تشكو جوعاً قد طال وتستجدي بدموعها من أجل كسرة خبز يابسة. رأيتها في وجه تلك البائسة التي عُلّقت على شجرة، ورأيتها في عيون أم تحتضن أطفالها لتجعلهم يحسون أماناً كاذباً، تفتقده وهي تجفل وترتجف كل خلية في جسدها مع سماع صوت الرصاص يتناثر حولها، وهي تجيب بذعر على أسئلة جندي لا تظهر صورته في الفيديو، لكن قبحه وانعدام إنسانيته واضحة جلية.
هذه المرة أرى هويدا بت الفاشر، لكن بلا ابتسامتها المشرقة، في وجوه العجائز المتعبات وهن في طريقهن إلى المجهول. ربما تكون هي تلك الأم الباكية وأمامها ترقد جثامين أبنائها، أو ربما هي المرأة التي يخاطب جثتها جنود، ضاحكين بلا مراعاة لحرمة الموت أو هيبته. أصوات النواح والعويل والصراخ والرصاص تملأ الأرجاء، والعالم يرى ويسمع ثم يدير ظهره لهويدا، يتركها وحيدة، بائسة، يائسة، إلا من رفيقاتٍ مثلها، تماماً كما أعتادت أن تُترك.
#ملف_الهدف_الثقافي #هويدا_بت_الفاشر #أنصاف_الشفيع #السودان #ح.رب_الفا.شر #أدب_الح.رب #النساء_والح.رب #الذاكرة_والنزوح #الفاشر

Leave a Reply