عندما يحمل الفنان البندقية.. وينسى أن الفن سلاح الجمال لا الموت

صحيفة الهدف

مهدي داود الخليفة

في لحظات الأزمات الكبرى، حين ينهار الضمير الجمعي وتتحول الأوطان إلى ساحات دم، يبقى الفنان الحقيقي صوت الضمير الإنساني. هو الذي يرفع راية الجمال في وجه القبح، ويدافع عن الإنسان حين يتخلى السياسيون والعسكريون عن إنسانيتهم. لكن، ما الذي يحدث حين يُسلِّم الفنان ريشته أو عوده أو صوته للبندقية؟ حين يتحوّل من مبشّر بالسلام إلى جندي في معركة داخلية، يوجّه سلاحه نحو صدر أبناء شعبه؟

منذ فجر التاريخ، وقف الفن ضد الح.روب. ففي أمريكا، غنّت المغنية جون بايز (Joan Baez) ضد ح.رب فيتنام واعتبرتها جريمة في حق الإنسانية، وأصبحت رمزاً عالمياً للسلام. وغنّى بوب ديلان (Bob Dylan) أغنيته Blowin’ in the Wind لتسأل الأجيال: كم من الق.تلى يكفي قبل أن يدرك الإنسان أنه يسير نحو الهاوية؟ وفي العالم العربي، حمل مارسيل خليفة عوده وقال: “أغني للإنسان في وجه المدفع”. وفي السودان، كان محمد وردي، أحمد المصطفى، عبد الكريم الكابلي، مصطفى سيد أحمد، محمد الأمين، إبراهيم عوض، أبو عركي، الموصلي، عمر إحساس، البلابل، مني مجدي، نانسي عجاج وشادن، أصواتاً ضد القهر، غنوا للسلام والحرية، لا للجيوش. ظل هؤلاء الفنانين الوطن والحزب الجامع، متجاوزين الإثنيات والعرقيات، غنّوا: “حنبنيهو البنحلم بيهو يوماتي.. وطن للسلم اجنحتو ضد الح.رب أسلحتو”، “أحب مكان وطني السودان.. أعز مكان عندي السودان”، “السودان الوطن الواحد على الحرية منو بوصينا!”. هؤلاء فهموا أن الفنان ليس جندياً في ثكنة، بل ضمير الأمة ينبض حين تصطرع البنادق.

في المقابل، يطل علينا اليوم مشهد مقلق. فالفنان جمال فرفور، المعروف بمغنياته الوطنية والأفراح، ظهر مرتديًا زي القوات المشتركة حاملاً بندقية، معلناً أنه “يحمل البندقية منذ أن كان في الخامسة عشرة من عمره”. تصريحه هذا، إلى جانب تاريخه المعروف في العمل بجهاز الأمن والمخابرات خلال عهد البشير، يطرح سؤالاً عميقاً: هل يجوز للفنان أن ينحاز إلى طرف في ح.رب أهلية؟ وهل من الأخلاق أن يشارك في آلة ق.تل توجه نيرانها ضد أبناء بلده؟ الفنان الذي يُجنّد في ح.رب داخلية لا يدافع عن وطن، بل يساهم في تمزيق نسيجه. وخطر أكبر أن يتحول الفن إلى أداة دعاية سياسية، بدل أن يكون لغة إنسانية توحّد الناس. الفنان الحقيقي لا يقف خلف بندقية، بل خلف كلمة تُنقذ وطناً من الدمار.

حين اندلعت الح.رب في لبنان، رفض زياد الرحباني أن يغني لطرف قائلاً: “لا أريد أن أكون صوت الح.رب بل صوت للسلام”. وفي جنوب إفريقيا، استخدمت مريم ماكيبا الموسيقى لمناهضة الفصل العنصري، فصار صوتها أقوى من الرصاص. هكذا يفعل الفنانون الكبار: يختارون الوطن على حساب الولاء، ويقفون مع الشعب ضد الطغيان. اليوم، والسودان يغرق في دمائه منذ أبريل 2023، يحتاج إلى فن يُعيد الأمل، لا فن يُبرر الق.تل. الفنان ليس مطالبًا بأن يكون محايداً أمام الجريمة، لكنه يجب أن يكون منحازاً للحياة. حين يختار فنان أن يحمل السلاح، يفقد صفة الفنان، لأن جوهر الفن ضد الح.رب وضد تحويل الإنسان إلى قاتل.

على جمال فرفور وغيره من الفنانين الذين قد تُغريهم السلطة أو البندقية، أن يتذكروا: من غنّى يوماً “للسودان الجميل”، لا يليق به أن يحمل بندقية في وجه هذا السودان. الفن رسالة إنسانية قبل أن يكون مهنة، ومن يخون هذه الرسالة يخسر صوته مهما علت موسيقاه. كما قال الشاعر نزار قباني: “حين يصبح الفن في خدمة السلطة، تموت الأغنية، ويُدفن الوطن”. لأن السودان يستحق الحياة، فإن واجب الفنان أن يغني للسلام لا للح.رب، أن يحمل العود لا البندقية، وأن يظل صوتاً للشعب لا صدى للرصاص.

#ملف_الهدف_الثقافي #الفن_والح.رب #جمال_فرفور #السودان #ثقافة_السلام #الفنان_والسلاح #مهدي_داود_الخليفة #الفن_المقاوم #سودانيز_تويتر

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.