سهيلة بورزق
كاتبة جزائرية
علاقة الإنسان بالوجود هي واحدة من القضايا المحورية في الفلسفة منذ بداياتها الأولى، إذ ترتبط بأسئلة الوعي، والمعنى، والغاية. فالإنسان ليس مجرد كائنٍ بيولوجي يعيش ضمن إطارٍ طبيعي، بل هو كائنٌ واعٍ يتجاوز حاجاته المادية ليطرح أسئلة تتعلّق بمكانه في الكون وحدود مصيره.
إنّ الوجود يُعطي الإنسان إمكاناتٍ متجددة، غير أنّ الإنسان نفسه هو من يمنح الوجود معناه من خلال أفعاله وخياراته. هذه الفكرة نجدها عند الفلاسفة الوجوديين، مثل جان بول سارتر، الذي رأى أنّ الإنسان “محكوم بالحرية”، أي أنّه مطالبٌ دوماً بخلق ذاته عبر قراراته، ما يجعل وجوده سابقاً لجوهره. هنا تنشأ علاقةٌ جدلية: الوجود يفتح المجال أمام الإنسان، بينما الإنسان يسعى لإعادة تشكيل الوجود وفق وعيه وقيمه.
يمكن النظر إلى العلاقة من منظورٍ هايدغري، حيث لا يُفهم الوجود كشيءٍ خارجيٍّ ثابت، بل ككينونةٍ ينغمس فيها الفرد. الإنسان عند هايدغر هو الكائن الذي يُدرك وجوده ويعي حتميته، بما في ذلك الوعي بالموت كحدٍّ نهائي، وهو ما يضفي على التجربة الإنسانية عمقاً خاصاً يجعل كل لحظةٍ وجوديةٍ مشحونةً بالمعنى.
كذلك نجد في الفلسفة الدينية أنّ علاقة الإنسان بالوجود محكومةٌ ببحثه عن المطلق، أي عن حقيقةٍ تتجاوز النسبيَّ والفاني، فيصبح الوجود الأرضي مرحلةً مؤقتةً لاكتشاف المعنى الأسمى، بينما تظل الحرية والاختيار محورَي العلاقة التي يقيمها الإنسان مع ذاته، ومع خالقه، ومع العالم.
#ملف_الهدف_الثقافي #سهيلة_بورزق #فلسفة_الوجود #الوجودية #جان_بول_سارتر #هايدغر #الوعي_والمعنى #مقالات_فكرية #كاتبة_جزائرية

Leave a Reply