في ذاكرة الأغنية السودانية، تبقى بعض الأعمال مثل نسمةٍ خفيفةٍ تمرّ على القلب، توقظه من سباته لتذكّره بأن الفن يمكن أن يكون صلاةً للعاطفة.
ومن بين تلك الأعمال الخالدة تتلألأ رائعة الشاعر محمد محمد علي والفنان الكبير الراحل عبد العزيز محمد داؤود (أبو داؤود) في قصيدته المغنّاة هل أنت معي، التي جمعت بين سحر الكلمة ودفء الأداء.
منذ المطلع الأول، يشدّنا الشاعر إلى عوالم حالمة:
همساتٌ من ضمير الغيب تشجى مسمعي
وخيالاتُ الأماني رفرفت في مضجعي
وأنا بين ضلوعي لا أعي
عربدت بي هاجساتُ الشوق إذ طال النوى
وتوالت ذكرياتي عاطراتٍ بالهوى
كان لي في عالم الغيب غرامٌ وانطوى
كان لي في الأمس أحلامٌ وشوقٌ وحبيب
كان للجرح طبيبٌ لا يدانيه طبيب
كان ما كان، وبتنا كلنا ناءٍ غريب
سكر السمّار والخمّار في حان الغرام
وأنا الصاحي أرى في النور أشباح الظلام
وغدت كأسي على راحي بقايا من حطام
عادني الوجد إلى ليلى وكأسي المترع
وسعير الحبّ يشقيني ويشقى مضجعي
ولهيب الشوق يدعوني فهل أنت معي
لغة القصيدة تفيض وجدانًا وشجنًا، وترسم لوحةً من الحنين الممزوج بالأسى، حيث تتقاطع الذكريات مع الأماني، ويصبح الحلم ملاذًا من وجع البعد وطول النوى.
محمد محمد علي لا يكتب هنا عن حبٍّ عابر، بل عن عشقٍ متجذّر في الروح، عن حنينٍ لا يخبو مهما طال الغياب. في قوله:
“سكر السمّار والخمّار في حان الغرام
وأنا الصاحي أرى في النور أشباح الظلام”
يصف مأساة العاشق الذي بقي وحيدًا في مواجهة فراغ الحضور؛ يرى الفرح لكنه لا يبلغه، يعيش في النور لكنه يتذوّق طعم الظلام.
أما أبو داؤود، بصوته الدافئ العميق، فقد جعل من القصيدة نغمةً خالدة. أداؤه كان هادئًا صادقًا، ينساب كالماء الرقراق، يلامس المشاعر دون تكلّف، ويحيل الكلمات إلى نبضٍ حيّ. ذلك الصوت المتفرّد هو ما جعل الأغنية تحيا في الذاكرة جيلًا بعد جيل، وكأنها وعدٌ قديم لا ينتهي.
وحين يصل النداء الأخير:
“ولهيب الشوق يدعوني فهل أنت معي”
نسمع السؤال لا ككلمةٍ للحبيب فقط، بل كصرخةٍ للزمن كله: هل أنتم معنا؟ هل بقي فينا مكانٌ للحلم والحنين؟
أغنية هل أنت معي ليست مجرّد عملٍ فني، بل تجربة وجدانية عميقة، جمعت بين شاعرٍ يرى بالعاطفة وفنّانٍ يغنّي بالقلب، لتظلّ علامةً مضيئة في سجل الأغنية السودانية الكلاسيكية، تذكّرنا بأن الفن الأصيل لا يموت، بل يسكن الذاكرة والوجدان.

Leave a Reply