ممدوح أبارو
#ملف_الهدف_الثقافي
خالتي خديجة بت حاج عبد الباقي امرأة سمحة؛ سماحة خَلق وخُلق!
اليوم لن أبكي بت الحاج، فهي امرأة تنشر البِشر والبشاشة، الأُنس والأُناسة، وأكاد أجزم أنها لو كانت بيننا اليوم، لوقفت بكل أناقتها المهيبة وزجرتنا عن الحزن!
وعلى ذكر الأناقة، بت الحاج من طبقة دوقات العصر الفيكتوري الأرستقراطيات؛ في حضرتها هالة من الرُقي المشبع بالثقة، الترتيب، والنظام في كل شيء. لا تتسامح مع “الخمج” على حد قولها رحمها الله! فالأسِرة يجب أن تكون في مستوى بعضها البعض، والملاءات يجب أن تُفرش حزو الكفّة والخيط! والترابيز والمقاعد يجب أن توضع في مكانها بعد الفراغ منها، وهكذا..
في العادة، دائمًا ما يرتبط النظام بالحدة، إلا عند بت الحاج؛ فهي تُلزمك بـ”الـسستم”، دون تعسّف، وتُحبّبك في الانضباط من غير تسلّط. هكذا خبرناها، علم الدين ابنها وأنا، منذ أيام الطلب في المرحلة الثانوية، بقصرها البريح في سرايات مارنجان.
لو أن للـ ح.رب خيرًا، رغم شرّها الكبير، فهو أنها أهدتني شهرًا أو يزيد من الطيبة والمحنة والمحبة، في كنف هذه المرأة العظيمة؛ ذلك في نزوحنا الأخير بعد اجتياح الدعم السريع قرى شرق الجزيرة عقب انقلاب كيكل المعلوم، حيث نزحنا إليها، هي النازحة الأخرى، في مدينة الشوك بشرق السودان.
ولن أنسى احتفالاتنا بعَجنة القرع، و”بيتزا النزوح” التي تصنعها خنساء، ولا ذلك اليوم الذي أقمنا فيه كرنفالًا من الباسطة والبسبوسة عقب ظهور نتيجة فحص دمها بخلوّه من داء السُكر اللعين، وغيرها من أيام البهجة في النزوح!
وكما سطّر خوسيه ساراماغو في أول سطر من روايته انقطاعات الموت: “ومن الغد لم يمت أحد”، فـبت الحاج قد انتقلت إلى سوح أرحب جمالًا وأسمى مقالًا. وأكاد أيقن أنها قد قابلت هذا المخلوق، الموت، في أبهى هندامها، تقدل ابتسامتها المرحابة نحوه، فتحيل شدقيه إلى بوابات من شجر الفايكس تزين مدخلها الجهنميات، وترتّص خلفها الزنابق والرياحين تُعطّر أنفاسه!
رحم الله خالتي خديجة بت الحاج التي غيّبها الموت عنّا قبل أيام، وألهمنا الصبر على فراقها، وجازاها بقدر عطفها وطيبتها حسن الختام.
#ممدوح_أبارو #بورتريه #السودان #نزوح #امرأة_عظيمة #خديجة_بت_الحاج #الأدب_والفقد

Leave a Reply