الثوب السوداني… ذاكرة الجسد وروح الوطن

صحيفة الهدف

سمية سعد

#ملف_المراة_والمجتمع

لا تكتمل صورة المرأة السودانية إلا بالثوب، ذاك القماش الملون المنسدل بوقار وجمال على الجسد، ليمنحها حضورًا خاصًا يختلط فيه التاريخ بالهوية، والأنوثة بالهيبة. الثوب السوداني ليس مجرد قطعة قماش، بل مرآة لتاريخ طويل من التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

بدأ الثوب في السودان بقطعتين، قبل أن يتطور إلى قطعة واحدة، متنقلًا عبر محطات لافتة من توب الزراق والفردة إلى التوتل والجاكار، ثم إلى تشكيلات حديثة أبدع فيها المصممون، فأصبح التوب اليوم عنوانًا للتجديد كما هو رمزٌ للأصالة.

وللتوب السوداني وجوه متعددة:

  • توب البيت البسيط الذي ترتديه المرأة في خصوصيتها اليومية.
  • توب المَرَقَة الخاص بالخروج إلى السوق والزيارات.
  • توب العروس المطرز المزين الذي يشع فرحًا في ليلة الزفاف.
  • توب الموظفة والمعلمة الذي يوحي بالجدية والهيبة.
  • توب البرجوازية والطبقات الوسطى بألوانه الراقية وجودة أقمشته.
  • توب الفرح الزاهي في المناسبات السعيدة، وتوب البكاء الأبيض أو الغامق في لحظات الحزن.
  • وأخيرًا توب المناسبات الرسمية الذي يحمل الوقار والجدية.

هذا التنوع يجعل التوب سجلًا صامتًا لأحوال المرأة والمجتمع معًا، يعكس اللحظة والطبقة والمناسبة.

ولئن ارتبط التوب بالسودان، إلا أن نساءً في موريتانيا والهند وجنوب السودان يرتدين أزياء مشابهة، غير أن السودانية أعطته خصوصيته الفريدة، حين جعلت منه علامة مميزة ترتبط بالهوية لا بالمناسبة فقط.

حكاية مع التوب

ذات يوم، استوقفني رجل أمريكي وزوجته ليسألا بإعجاب عن ثوبي السوداني. قال لي الرجل بإنجليزيه مهذبة: من أي بلد أنتِ؟ وحين أجبته، أبديا انبهارًا بما أرتديه. في تلك اللحظة شعرت بفخر عظيم، وكأنني لا أمثل نفسي فحسب، بل أحمل الوطن كله في قطعة قماش.

أول ثوب تعلمت ارتداءه كان هدية من جدتي مريم العنبر رحمها الله، التي كانت لا تفارق ثوبها الأبيض، وتفوح منه رائحة المسك، فهي التي علمتني أن التوب هيبة ووقار قبل أن يكون زينة. ما زلت أذكر ثوبها “الساكوبيس” الذي كان يدهشني ببياضه الناصع. أهدتني حبوبة مريم ثوبًا أبيض من نوع “البنقالي” لأرتديه في الصلاة، لكنه سرعان ما أصبح رفيقي الدائم في كل وقت. ومنذ ذلك اليوم وحتى الآن، أدمنت ارتداء الثوب، وصرت أراه امتدادًا لجدتي ولنساء بلادي.

الثوب… بين البقاء والاندثار

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل سيبقى الثوب حاضرًا بقوة في المستقبل، أم ستبتلعه موجات الحداثة والملابس الغربية؟

رغم التحديات، أؤمن أن التوب سيظل حيًا، طالما بقي في قلوبنا كرمز للأصالة والانتماء، وطالما علمناه لبناتنا كما ورثناه عن حبوباتنا. فالتوب ليس مجرد لباس، بل رسالة هوية وحكاية وطن، وحين نرتديه، فإننا نعلن للعالم: هنا السودان.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.